تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٣ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٣
قلنا: فعل الإماتة منه تعالى لكونها مستلزمة للإحياء على وجه أبقى و أشرف حسن، كما إن الأمر بالقصاص لكونه يوجب الحيوة على وجه أكثر و أصح حسن.
أو نقول: موت البدن من ضروريات ٢٢ قوام الروح بذاتها حيّة موجودة بالفعل و إن كانت من أرواح الأشقياء المردودين و ممن يأتيه الموت من كل مكان و ما هو بميّت.
و مما يؤيّد إن الحيوة الآخرة نوع أقوى من الحيوة الدنيا قوله تعالى:
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [٥٠/ ٢٢] إذ حدة البصر و البصيرة تدل على قوة الحيوة و الوجود.
قوله عز و جل: [سورة الحديد (٥٧): آية ٣]
هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)
الواوات الثلاثة للجمعية، لكن الاولى للدلالة على أنه تعالى مجمع صفتي التقدم و التأخر، و الثالثة على أنه مجمع الظهور و البطون، و الوسطى على أنه الجامع بين ذينك المجموعين- مجموع الأولية و الآخرية و مجموع الجلاء و الخفاء-.
و عن عبد العزيز: إن الواوات مقحمة ٢٣ و المعنى: هو الأوّل الآخر الظاهر الباطن ٢٤. لأن من كان منّا أولا لا يكون آخرا، و من كان ظاهرا لا يكون باطنا، و هذا يلائم القول بأن أوّليته عين آخريّته، و ظاهريّته عين باطنيّته.
و عن ابن عباس: الأول قبل كل شيء بلا ابتداء، و الآخر بعد فناء كل شيء بلا انتهاء، فهو الكائن لم يزل، و الباقي لا يزال، و الظاهر الغالب العالي على كل شيء فكل شيء دونه. و الباطن العالم بكل شيء فلا أحد أعلم منه.
و توجيه هذا المنقول و إن كان فيه عدول عن الظاهر المفهوم إنه مأخوذ من بطن الشيء بمعنى علم باطنه، و لهذا أردف بقوله: وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لأن العالم بوجوه الشيء عالم بما سواه.