تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٩ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) آية ١٥
غير معرفة برهانية أو كشفية لا يوجب الخلاص من الشقاوة الذاتية العلمية، و مجرد الأعمال البدنية من غير تهذيب الباطن و تصفية القلب لا يوجب النجاة من العذاب الأليم.
فالاولى من الصفات العلمية، كون العبد بكثرة مزاولة المعارف الإلهية بحيث إذا ذكّر بآيات اللّه، أي المعارف المذكورة في القرآن، أو افيد بالحقائق الايمانية أو وعظ بتقوى اللّه و الزهد الحقيقي، تذكّر بها و اتّعظ بمواعظها و اعتبر بأمثالها، و فهم دثور الدنيا و فنائها، خاضعا لآيات اللّه، للين قلبه و صفاء فطرته ساجدا فانيا فيها نازلا مما كان قبل ذلك من نشأته الحيوانية و عما يعتقده من حوله و قوته و قدرته، و هذا أخص خواص المؤمن الذي لا يوجد لغيره كما افصح اللّه عنه بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [٨/ ٢] لأن هذه خاصية علمية لا توجد إلا في العارفين باللّه و آياته، و هي أساس الدين و أصل سائر الحسنات.
و الثانية منها: أن يكون العبد مسبحا مقدسا ربه حامدا له، و هو عبارة عن تجريد ذاته عن صفات الأجسام، و اتصافه بصفات الملائكة، و تشبّهه و تخلقه بأخلاق اللّه، فذلك هو تسبيح المؤمنين حقا، كما صرح به بعض أئمة العلم و العرفان، و وجه ذلك ان كثرة مزاولة الفعل و الرسوخ في الاتصاف بصفة على الكمال يؤدى بصاحبه إلى صيرورته من حقيقة ذلك الفعل و جنس تلك الصفة، أو لا ترى ان كثرة تسخّن الحديد بمجاورة النار بواسطة النفاخات تؤدى به إلى أن يكتسي صورة النارية و يفعل فعلها، فلا تتعجب من صيرورة المؤمن الحقيقي مفارقا محضا كالملائكة المقربين الذين شأنهم التسبيح و التقديس، لأن دأب العرفاء و الحكماء تجريد الحقائق عن الزوائد و المشخصات، و تنقيح المقاصد عن الفضول و الحشويات، و التفرقة بين الذاتي و العرضي في كل باب، كيف و التعقل ليس معناه في مصطلح القوم إلا هذا التجريد و التوحيد، فبكثرة فعل التجريد و التوحيد الواقعتين منهم دائما بلغوا إلى