تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٠ - تنبيه فرقاني
كما لا نصيب للأنعام منها، و إنما هم أضلّ لبطلان استعدادهم بالمسخ و الطمس لعدم الشكر منهم للّه على هذه النعم و العمل بخلاف ما أعطيت له.
و في قوله: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ إشارة لطيفة إلى أن هذه الظواهر نعم جليلة يجب الشكر عليها، ليصل إلى مقام أسرارها و حقائقها.
و قوله: «جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ» و إن كان ظاهره مشعرا بعموم هذه العطية، إلا أن الواقع في معرض الامتنان و الإحسان ليس إلا ما يختصّ بالقليل النادر من الناس من بواطن هذه الظواهر و غيوب هذه الشواهد، لأن قوالب هذه الآلات بمجردها ليست من الأمور الشريفة الباقية الاخروية حتى يلائم ذكرها بعد ذكر الروح الأمري الحاصل بالنفخ الإلهي و عدّها في معرض ذكر الأفعال الإلهية و بعد ذكر عظائم الأمور الصادرة من الحق سبحانه.
و من الدلائل القاطعة على أن اهل الحجاب الكثيف و أصحاب التجسم و البعد عن عالم الملكوت محرومين عن النظر إلى آيات اللّه و شهود أهل اللّه، مع وجود هذه الباصرة الدنياوية قوله تعالى: وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ [٧/ ١٩٨] أي ينظرون إليك من حيث بشريتك و لا يبصرونك من حيث نبوتك، فإنهم لا يرون من أولياء اللّه و أحبائه و محبوبيه إلا البشرية المحسوسة، و ليس لهم اطلاع على أعيان الآخرة و أهل القرابة الإلهية، و لذلك حكى اللّه عن نكرهم و جهلهم و إنكارهم و استنكارهم لوجود الأنبياء بقوله: قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [٣٦/ ١٥] و بقوله إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [١٤/ ١٠].
و إن سئلت الحق فليس معنى الكفر إلا هذه النكرة، و الاحتجاب بهذه الحيوة الدنياوية، و الالتباس بهذه الحواس الحسية، و الإنسان ما لم يتجرد من هذه الغشاوات و الأسبال (الأسباب- ن) لم يخرج إلى فضاء الايمان و معارفة أهل الإيقان و أصحاب المشاهدة و العيان، فكن أحد الرجلين: إما سميعا بصيرا بالسمع و البصر الاخرويين عارفا بحقائق الأمور شاهدا بحال أولياء اللّه تعالى، و إما مقلدا متشبثا بذيل قائد