تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤ - مقدمة المؤلف - أشرف العلوم الحكمة
بالايمان باللّه و كتبه و رسله و اليوم الآخر، المشار إليه في القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، بقوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ الآية [٢/ ٢٨٥].
و ما أدرى كيف يسع لأحد التوقّف و الإنكار و الاستنكار في أن تحصيل المعارف الإلهية أجلّ الصناعات، و اقتناص المسائل الربوبية أشرف الانتقالات و الحركات القلبية، و جلالة كل صناعة و شرفها إما بفضيلة فاعلها و محركها، و إما بنباهة الثمرة و الغاية، و إما بشرف موضوعها و قابلها، و إما بحسن الصورة الحاصلة من تلك الصناعة.
و لا شك ان الأسباب الأربعة في هذه الصناعة النظرية الإلهية و الفلسفة الكلية الربوبية، أكرم الأسباب و أشرفها، ففاعلها العقل النظري عند حصوله بالفعل بتأييد العقل الفعّال، و هو أشرف أجزاء الجوهر النطقي الإنساني، المضاهي في التقدس لجواهر الملائكة العقلية، و هم سكان حظيرة القدس، المجاورون للحضرة الإلهية.
و غايتها الوصول إلى حقايق تلك المعارف الربوبية، و هي ذوات المفارقات النورية التي هي أشعة ذات اللّه و صفاته، و القرب إلى بارئ الكل و محرك الجميع بالتحريك التشويقي الربوبي، و الإحباب العقلي الإلهي.
و موضوعها الجوهر النفساني و العقل الهيولاني، الذي هو لباب العالم الجسماني، و ليس في موضوع الصناعات كلها ما يكون أشرف منه و أجلّ لأنه ثمرة الصورة المادية و غايتها، و بذر الولادة الروحانية و نطفتها المعنوية، و قد حقّقنا في مقامه مرتبة العقل الهيولاني بأنه صورة الصور في عالم الأجسام، و مادة المواد في عالم العقول، و لهذا سماه بعض المحققين: طراز عالم العقل.
و أما الصورة فهي هيئة العالم التام بجميع أجزائه الكلية و أسبابه القصوى، و غايته العظمى، آخذا من المبدإ الأعلى إلى صورة الجواهر العقلية و النفوس الفلكية و الأجرام الكلية، و جميع الهيئات و الصفات الكلية للأنواع الكلية، الحاصلة بفيض