تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٦ - خاتمة
على سبيل الحكمة و العناية الخاليتان عن النقص و الشين.
و ذكر إنه عقّب الرسل بالرسل و قفّى بعضهم على اثر بعض مؤيدا بالآيات من لدن نوح و إبراهيم إلى عيسى بن مريم عليه السّلام، و كان في كل امّة الغلبة للفساق و النجاة للمهتدين- و هم الأقلّون عددا من المتوسطين و الهالكين- و كذا في امّة عيسى عليه السّلام كان بعضهم ممن آمنوا به و اتبعوه و كان في قلوبهم رأفة و رحمة فأوتي أجرهم، و كثير منهم فاسقون.
(٢٨) و لما أخبر تعالى عن إرسال الأنبياء متّصلين إلى عيسى و ذكر حال قومهم الغابرين و قومه الغابر شرع في ذكر نبينا صلى اللّه عليه و آله و سلم و حال قوّته الظاهر الحاضر، مخاطبا إياهم، آمرا لهم بالتقوى و الايمان، واعدا لهم كفلين من رحمته و نصيبين من فضله وجوده لشرافتهم و فضيلتهم على سائر الأمم، لقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [٣/ ١١٠]- جاعلا لهم نورا يمشون به يوم القيامة- و هو نور المعرفة- جزاء ايمانهم بالرسول، و جزاء تقويهم المغفرة لذنوبهم السابقة، لأن العلم شرف و تحلية، و العمل نجاة و تخلية.
(٢٩) و هذه المراتب السنيّة لهم فوق سائر الأمم لأجل استحقاقهم الذاتي و صفاء قرائحهم الفطرية، فإن الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة، بعضهم أصفى و بعضهم أكدر، و لهذا أشار سبحانه تنبيها على تفاوت طبقات الخلق في الكمال بحسب الجواهر و الاستعدادات بقوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ لخسّة جوهرهم و نقصان قابليّتهم، و الفاعل الفياض و إن كان متشابها في فيضه و جوده، كما أشار بقوله: وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ لكن يختلف آثاره باختلاف القابليات يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً.
أما ترى إن الماء حقيقة واحدة فعله من جانبه متشابهة لكن يختلف آثاره حسب اختلاف الأراضي كما في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [١٦/ ١٠- ١١].