تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٨ - خاتمة
عن النقص و العدم و الزوال كائنا بذاته الفردانية الأحدية منبع كل صورة و كمال، و منشأ كل خير و جمال.
ثم لا يخفى أن كل ناقص يسوغ له الانتقال من حدود النقص إلى ذروة الكمال، فله طريق خاص و منهج معيّن في الترقي إلى أوج الترفّع و الإقبال، فللأجسام- بما هي أجسام- الحصول في مطلق الحيّز و الفضا، و للعناصر في الحركة نحو المكان الأسفل و الأعلى، و للنبات في الاغتذاء و النماء، و للعجم من الحيوان في حياته الدنياوية بأنفاسه و حركته بإرادته و إحساسه، و ما من دابّة فما دونها إلا و من شأنه البلوغ إلى أقصى مالها في ذاتها ما لم تعقها عائق، و لنوع الإنسان كمال يخصّه و هو الايمان باللّه و أفعاله القريبة بحسب جزئه العلمي، و التجرد عن الدنيا و اللذات البهيمية بحسب جزئه العملي، و لهذا وقع له الأمر بالايمان باللّه و رسوله و الإنفاق مما زاد على ضرورات بقائه الكوني.
ثم بيّن سبحانه عظم أجر الإنسان الذي سلك مسلك المعرفة و التجرد بقوله: لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ لأنه بهذين الأمرين يقرب من الملكوت و يتخلّص عن الناسوت.
(٨) ثم أظهر سبحانه الاستنكار و التعجّب ممن لم يتفطن بالمعرفة باللّه عند تحقق الرسول- المعلّم للبشر الداعي طريق الحق- مع قابلية الذوات و مناسبتها لمعرفة الحق بحسب الفطرة الأصلية المعبّر عنها «بأخذ الميثاق».
(٩) ثم بيّن عظم رتبة هذا المعلم البشري و كيفية ارتقائه إلى مرتبة الرسالة و درجة التبليغ، و هو إنما يكون بتنزيل اللّه سبحانه على عبده المستجمع للفضائل و الملكات البشرية الآيات البيّنة و المعارف الحقّة ليتنور ذاته بالأنوار القيوميّة، و يستشرق عقله المنفعل بالأضواء الأحدية، و تستضيء نفسه التي يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار بالإشراقات الصمدية، و يصير عند ما مسّته نار الأنوار و الشعلات الجبروتيّة نورا على نور ليتنوّر بنور ذاته المستضيئة بأنوار اللّه المنتكسين في دياجير الجهل و الظلمات، الهابطين إلى مهوى الغفلة و الشهوات، المتزحزحين