تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٧ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٧
التثليث، و القول بالإلحاد، و قصد السمعة و الرياء و الكفر بمحمد صلى اللّه عليه و آله و سلم، و نحو هذه الأشياء، كما إن المنسوبين إلى التصوف في هذه الأزمنة و الدورة الإسلامية بعضهم مما رعوا حقّه- من تصفية الباطن، و التزهد في الدنيا، و الانقطاع عن أهلها و ذويها طلبا لمرضات اللّه- و أكثرهم لم يراعوا حقّه، بل ضموا إليه السمعة و الرياء، و التغنّي و السماع، و الاشتغال بالملاهي و صحبة الأباطيل، و المعطّلين عن الفكر و السير في الملكوت و عن ذكر اللّه إلا بمجرد اللسان عند مجمع الخلائق.
فآتينا المؤمنين المراعين منهم لها أجرهم و كثير منهم فاسقون- و هم الدين لم يراعوها و لم يوفوا بها.
قال الزجاج: إن تقدير «ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ»: ما كتبنا إلا ابتغاء رضوان اللّه و هو اتباع ما أمر به- فهذا وجه-.
قال: و فيها وجه آخر في التفسير و هو إنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه، فاتخذوا أسرابا و صوامع و ابتدعوا ذلك، فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع و دخلوا عليه لزمهم تمامه، كما إن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمّ.
قال: و قوله: «فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها» على ضربين: أحدهما أن يكونوا قصّروا فيما ألزموه أنفسهم، و الآخر- و هو الأجود- أن يكونوا حين بعث النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فلم يؤمنوا به، و كانوا تاركين لطاعة اللّه، فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها، و دليل ذلك قوله: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ يعني الذين آمنوا بالنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي كافرون- انتهى كلام الزجاج-.
و يؤيّده ما
روي عن ابن مسعود قال: دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فقال:
يا بن مسعود- اختلف من كان قبلكم عن اثنتين و سبعين فرقة، نجا منها اثنتان و هلك سايرهنّ، فرقة قاتلوا الملوك على دين عيسى عليه السّلام فقتلوهم، و فرقة لم يكن لهم طاقة لموازاة الملوك و لا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم الى دين اللّه تعالى و دين عيسى عليه السّلام فساحوا في البلاد و ترهّبوا و هم الذين قال اللّه لهم: «و رهبانية ابتدعوها