تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٦ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٧
الإسلام»
و
قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «رهبانية امتي الحج و الجهاد».
و انتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر، أي: و ابتدعوا رهبانية ابتدعوها، و يجوز أن يكون معطوفة على ما قبلها، و الجملة بعدها صفة لها في محل النصب، و المعنى:
ثم أتبعنا بالإرسال على آثار المذكورين كنوح و إبراهيم و من أرسلنا إليهم أو من عاصرهم من الرسل برسل آخرين، أي: أتبعنا رسولا بعد رسول و قفّينا سابقا بلاحق انتهى الأمر إلى عيسى بن مريم بعدهم، فأرسلناه رسولا و أعطيناه الإنجيل و جعلنا في قلوب الذين اتبعوه من الحواريين و أتباعهم للتراحم و التعاطف بينهم رأفة و رحمة، بأن أمرهم اللّه بهما و رغبّهم فيهما، أو خلق في قلوبهم الرأفة و الرحمة و إنما مدحهم على ذلك و إن كان من فعله لأنهم تعرّضوا لهما و ابتدعوا رهبانية لم يكتبها عليهم، و هي خصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة، إما في كنيسة (شعشعة- شعثة- ن)، أو توحش عن الخلق، أو تفرد عن الجماعة، أو غير ذلك من الأمور التي تعلق بنسك صاحبه.
و قيل: إن التي ابتدعوها من رفض النساء و اتخاذ الصوامع- عن قتادة- و على تقدير عطفها على ما قبلها يكون المعنى: و جعلنا في قلوبهم رأفة و رحمة و رهبانية مبتدعة من عندهم. بمعنى: وفّقناهم للتراحم بينهم، و لابتداع الرهبانية المبتدعة الغير المكتوبة عليهم منّا- إلا ابتغاء رضوان اللّه- أى ليبتغوا بها رضوان اللّه و يستحقوا بها الثواب، و الاستثناء منقطع، أي ما فرضناها عليهم و لكنهم ابتدعوها طلبا لمرضات اللّه، و يحتمل الاتصال بتضمين: «ما تعبّدناهم بها» حتى يكون مشتملا على نفي الإيجاب و الندب المستلزمين لمطلق الراجحية و التقرب، و هذا و إن كان مخالفا لقوله: «ابتدعوها» لكن يوجه بأن يقال: معناه و لكنهم ابتدعوها ثم ندبوا إليها.
و ابتدعوها: بمعنى: استحدثوها من قبل أنفسهم و وافو بها، فما رعوها حق رعايتها، أي: الذين بعدهم ما رعوا جميعا للرهبانية، أو للمذكورات من الرأفة، و الرحمة، و الرهبانية- حق رعايتها، و لكن بعضهم رعاها، و بعضهم ضمّ إليها