تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٦ - الاولى
و لا يتوهمن إن النبي يأخذ العلوم عن الملك الموحي إليه على سبيل التقليد- هيهات- العلم التقليدي ليس علما في الحقيقة، إذ العلم هو اليقين ١٨٢، و هو لا يحصل إلا مع الظفر بالمبادي و الأسباب بسبب اتصال النفس القدسية بالملائكة و أخذها العلوم منهم، فإن الغير المنطبع لو لا احتجابه بالبدن و قواه و تعلقه بالدنيا و إخلاده إلى الأرض يتصل بالمبادي العالية و الملائكة المقربين، و خصوصا بما يقرب إلينا و يؤثر في عالمنا هذا و هو المسمى ب «بِرُوحِ الْقُدُسِ» المعلم للأنبياء، و «جبرئيل» على لغة السريانيين، فإذا اتصلت به لتلألأت فيها النقوش العلمية و الصفات الكمالية التي فيها، إذ لا مبائنة بين المجردات إلا المادة، و لا منع و لا تقصير و لا بخل في الإجادة و الإفاضة، لأن هذه الأشياء من خواص عالم الأجسام لتضائقها و تمانعها، فلدى الارتفاع عن ذلك يطالع المغيبات.
و من جرّب من نفسه صحة منامات- و النوم إنما هو انحباس الروح عن الظاهر في الباطن- لا يستبعد من أن يكون نفس شديدة الارتفاع عن هذا العالم، قويّة الاتصال بالملكوت الأعلى يتلقى منه المعارف الكلية و الحقائق العقلية، كما يتلقى أكثر النفوس في بعض الأحانين من الملكوت الأوسط شيئا من المغيبات الزمانية المادية.
و منبع المكاشفات العقلية المعنوية عالم العقول و الملائكة العقلية، و معدن المكاشفات الصورية الحسية عالم النفوس الفلكية و الملائكة العملية.
فالمكاشفة العقلية أحد أجزاء النبوة، و هو جزء مشترك بين الأنبياء و الأولياء، و للنبوة جزءان مختصان: أحدهما أن يكون النبي مأمورا من السماء بإصلاح النوع و الثاني طاعة الهيولى العنصرية له، بل طاعة هيولى الأفلاك بالشق و الرمّ ١٨٣ بسيدهم و خاتمهم صلى اللّه عليه و آله و سلم لظهور المعجزات و خوارق العادات.
و تحقيق ذلك إن الإنسان ملتئم من أجزاء ثلاثة، من عوالم ثلاثة، هي مبادي إدراكات ثلاثة: التعقّل، و التخيّل و الإحساس.