تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٤ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٥
بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد و الماء و النار و الملح [١]
و معنى الإنزال عند أهل المعنى الإنشاء منها، لأن الحوادث الكونية إنما يخلق من اللّه بتوسط الأسباب الفاعلة السماوية و المواد القابلة الأرضية، فمعنى قوله أنزلنا الحديد: أنشأناه و أحدثناه، كقوله: وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [٣٩/ ٦] و على هذا المعنى أيضا يحمل أمثال قوله: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً [٢٥/ ٤٨]، فإن السموات ليست حياضا و غدرانا للمياه و لا إصطبلا للدواب، و إلى شبه هذا ذهب مقاتل فقال «معناه: بأمرنا كان الحديد».
و قال قطرب: معنى «أنزلنا» هاهنا «هيّأنا» من النزل، و هو ما يهيّأ للضيف، أي: أنعمنا بالحديد و هيّأنا لكم.
و
قيل: «نزل آدم من الجنة و معه خمسة أشياء من حديد: السندان و الكلبتان و الميقعة و المطرقة و الإبرة».
و روى: و معه المرّ و المسحاة [٢].
و قوله: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ- معطوف على قوله: ليقوم الناس بالقسط- أي: ليعاملوا بالعدل و ليعلم اللّه نصرة من ينصره و رسله باستعمال السيوف و الرماح و سائر السلاح. و يحتمل أن يكون معطوفا على محذوف دلّ عليه ما قبله، فإنه حال متضمّن تعليلا، و اللام صلة لمحذوف، أي: أنزله ليعلم اللّه-.
و قوله: بِالْغَيْبِ- حال من المستكنّ في: «يَنْصُرُهُ» أي: ينصره و رسله غائبا عنهم بمجرد العلم الواقع بالنظر و الاستدلال من غير مشاهدة حسيّة، كما قال ابن عباس ينصرونه و لا يبصرونه.
ان اللّه قوىّ- على إهلاك من أراد إهلاكه- عزيز- منيع لا يفتقر إلى نصرة، و إنما كلّفهم الجهاد لينتفعوا به في العاجل، و يستوجبوا الثواب بامتثال الأمر به في الأجل، و ليجمعوا بين الرحمة في الدنيا و المغفرة في الآخرة.
(١، ٢) الكشاف: في تفسير الآية.