تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٠ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٤
و فيما ذكرناه كفاية لمن تيسّر له، و لا ينجع أكثر منه لمن تعسر عليه، فليرجع من أراد الوقوف و الاطلاع إليه- و باللّه العياذ من التقصير، و به يتيسر كل عسير.
قوله عز و جل: [سورة الحديد (٥٧): آية ٢٤]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)
قرء نافع و ابن عامر: «إن اللّه الغني» و هو في مصاحف أهل المدينة و الشام كذلك، و الباقون بإثبات «هو» لوجوده في مصاحفهم. و الضمير ينبغي أن يكون فصلا، لا مبتدأ، لأن حذف الفصل أسهل- إذ لا موضع له من الإعراب- بخلاف المبتدأ، أ لا ترى إنه قد يحذف فلا يخل بالمعنى. و قرء: «بالبخل».
و قوله: «الَّذِينَ» بدل من قوله: «كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ» كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون. و فيه دلالة على أن ذا الفرح المغطي متكبر بما اوتى، فخور على الناس. و إذا رزق هو و أشباهه مالا و حظا من الدنيا فلابتهاجهم به و التذاذهم منه و عزته لديهم، و عظمته في أعينهم- لأجل قصور عقلهم و نقص فطرتهم و خلل جوهرهم- يزوونه عن حقوق اللّه و يبخلون به، و لا يكفيهم ذلك حتى يأمروا الناس بالبخل و يحملونهم عليه، و يرغبونهم بالإمساك و يزيّنونه لهم، و ذلك كله من نتائج فرحهم به و بطرهم عند إصابته، و الفرح بالمحقرات الدنيّة الدنياويّة من لوازم قصور الذات و خسّة الجوهر و قلة العقل، حيث لم يتنبّه بدثورها و فنائها، و لما كان الابتهاج بمتاع الحيوة الدنيا و البخل عن أداء الحقوق الواجبة و غير ذلك من ذمائم الأخلاق ناشية عن التوجه إلى الجنبة السافلة المستلزم للإعراض عن الحق و التولي عن قبول أوامره- كالإنفاق- و نواهيه- كالبخل- أشار إلى أنه غنيّ عن العباد و إنفاقهم، محمود في ذاته، لا يقدح في كمال ذاته و وجوب وجوده الإعراض عن شكره.