تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٣ - تكميل و توضيح
لقدرته و إرادته عند صدور الفعل عنا، فهو الذي طوى بساط الكون، و خلص عن مضيق البون ١٦٦، و خرج من البين و الأين و فنى في العين، لكنه بقي في المحو و لم يجئ إلى الصحو، ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله و سبحات وجهه و جلاله، فاضمحلت الكثرة ١٦٧ في شهوده و احتجب التفصيل عن وجوده و ذلك هو الفوز العظيم.
فإذا رجع إلى الصحو ١٦٨ بعد المحو، و نظر إلى التفصيل في عين الجمع، غير محتجب برؤية الحق عن الخلق، و لا بالخلق عن الحق و لا مشتغل بوجود الصفات عن الذات، و لا بالذات عن الصفات، فهو الولي المحق ١٦٩ الصدّيق، صاحب التمكين و التحقيق، ينسب الأفعال إلى اللّه تعالى بالإيجاد، و لا يسلب عن العباد بالإعداد، كما في قوله تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [٨/ ١٧].
تكميل و توضيح
فعلم ممّا ذكر إن الدعوة و التكليف و الإرشاد و التهذيب و الوعد و الترغيب و الإيعاد و التهديد امور جعلها اللّه تعالى مهيّجات الأشواق، و دواعي إلى خيرات و طاعات، و اكتساب فضائل و كمالات، و محرّضات على أعمال حسنة و عادات محمودة و أخلاق جميلة و ملكات فاضلة مرضية نافعة في معاشنا و معادنا، يحسن بها حالنا في دنيانا، و يحصل لنا سعادة عقبانا، أو محذرات عن أضدادها من الشرور و القبائح، و الذنوب و الرذائل، مما يضرنا في العاجل، و يشقى بنا في الآجل، لم يحصل لنا شيء من الطرفين إلا بتلك الأسباب و نقائضها، و كانت تلك الوسائط أيضا مقدرة لنا واجبة باختيارنا كما
قال- عليه و آله السّلام- لمن سأله: هل يغني الدواء و الرقية من قدر اللّه؟
قال: «الدواء و الرقية أيضا من قدر اللّه ...» [١]
و
لما قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «جفّ القلم بما هو كائن» قيل: «ففيم العمل؟»
[١] الترمذي: كتاب القدر، الباب ١٢. ابن ماجة: كتاب الطب ٢/ ١١٣٧.