تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٩ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٣
و للإشعار بأن المراد من الفرح المذكور هو الذي يوجب البطر و الخيلاء عقّبه بقوله: و اللّه لا يحب كل مختال فخور- أي: معجب بما اوتي، متكبر على الناس بالدنيا، فإن الفرق بين «الخيلاء» و «الفخر» كالفرق بين «العجب» و «التكبر» في أن أحدهما بحسب نفس الموصوف به، و الآخر له بالقياس إلى غيره دون مقابله، لأن النكتة في ذكر شقاوة الموصوف بأحد المتقابلين دون الآخر إن هذا أشقى منه، و لأن الاتصاف بأحد هذين الوصفين يستلزم الاتصاف بالآخر إذ قلّ من يكون له الفرح المطغي عند حظّ دنياوي و لا يضطرب عند المصيبة، بل الغالب أن لا يثبت نفسه حالة الضراء، كما لا يثبت نفسه حالة السرّاء، فكل مختال فخور يكون جزوعا غير صبور، و كلا الأمرين نقص و خسّة، و اللّه لا يحب كل ناقص خسيس.
ففي هذه الآية إشارة إلى أربعة أشياء:
أحدها: حسن الخلق. لأن من استوى عنده وجود الدنيا و عدمها لا يحسد، و لا يعادي، و لا يشاحّ، لأن جميعها من أسباب سوء الخلق، و هي من نتائج النقص و الخسّة.
و ثانيها: استحقار الدنيا و أهلها إذا لم يفرح بوجودها و لم يحزن بعدمها، و إليه
أشار- عليه و آله السّلام- بقوله: «لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتى يرى الناس أمثال الأباعر» [١].
يعني لا يحفل بوجودهم و لا يغيّره ذلك كما لا يغير بوجود بعير عنده- و تمام الخبر:
«ثم هو يرجع إلى نفسه فيكون أعظم حاقر لها».
و ثالثها: تعظيم الآخرة لما سئل اللّه فيها من الثواب الدائم الخالص من الشوائب، لأنه لما يئس من وجدان اللذة و النعيم في الدنيا، توجه إلى طلبهما في الآخرة، و أهل الدنيا بعكس ذلك، لأنهم لما يئسوا من الآخرة و لذّاتها و نعيمها انكبّوا إلى الدنيا و اطمأنّوا بها و يئسوا من الآخرة «كما يئس الكفار من أصحاب القبور».
[١] بحار الأنوار: باب مواعظ النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من كتابه الروضة: ٧٧/ ٨٣.