تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٨ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٣
على فوات شيء و كذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه و إن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله.
فإن قلت: بعض الإنسان ربما كان مقتضى ذاته أمورا لا يلائم نفسه كالفقر، و سوء المزاج، و قلة الاستعداد- و لا يرى سببا للخلاص، إذ مقتضى الذات لا يزول، فيحصل له غاية الإساء من هذا الوجه، و لذلك قيل: «العلم بسرّ القدر يعطي النقيضين: الراحة الكلية و العذاب الدائم» فكيف يستقيم الحكم بعدم الاسى و الحزن على فوات الأمور؟
قلنا: ليس المراد نفي الاسى و الفرح الصادرين عن الشخص بحسب الطبع، بل المراد نفي صدورهما من العاقل على سبيل الإختيار المنبعث عن تصور الفائدة و النفع، و ليس للحزن فائدة فيما ذكر.
و يمكن أن يقال: إن العالم بسرّ القدر لا يكون شقيا، و الشقي لا يكون عالما به فمن قال: «إن العلم بسر القدر يعطي النقيضين» فلا وجه له ظاهرا.
و أما ما قيل في بيان عدم الإساء و الفرح: إن الإنسان إذا علم أن ما فات منها ضمن اللّه تعالى العوض عليه في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك، و إذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه و الحقوق الواجبة فلا ينبغي أن يفرح لذلك فكلام حسن محمود في المواعظ.
فإن قلت: إذا كان عدم الحزن و الفرح عند المضرة و المنفعة الواصلتين للإنسان ليس مقدورا له- إذ لا يملك أحد نفسه عند ورود أحدهما عن أحدهما- فكيف يلائم و يحسن هذا التعليل؟ و العلة الغائية أو الغاية الذاتية للشيء ينبغي أن يكون بينها و بينه علاقة سببية، أو أن تكون الغاية بحيث مترتبة على الفعل.
قلنا: المراد به نفي الأثر المذهل صاحبه عن الصبر، المانع له عن التسليم لأمر اللّه، و الفرح المطغي الملهي عن الشكر، الموجب للبطر و الاختيال، فأما الحزن الذي لا يكاد أحد يخلو منه مع الاستسلام لحكم اللّه و السرور بنعمة اللّه مع إعطاء حقه- من الشكر- و التفطّن لما يلزمه من الانتقال و الدثور و العمل بموجبه فلا بأس بهما.