تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٦ - مكاشفة
و كما ان سلطان الروح الذي هو التعقل و الإدراك في البدن لا يظهر إلا في الدماغ- لمكان الروح الدماغي النفساني- فكذلك سلطان الروح الكلي- الذي هو روح العالم- لا يكون إلا في العرش لمكان القوة المحركة السارية فيه، فهو من العالم بمنزلة الدماغ من الإنسان.
و كما ان مظهر الأول فينا هو «القلب» الذي هو منبع الحيوة، فكذلك مظهره الأول فيه هو «الفلك الرابع» الذي هو فلك الشمس، و وسط العالم، و منبع حيوة العالم، و منشأ تدبير الكائنات و منورها بالنور الحسي المظهر لكل شيء من الأجرام، و المعطي لها حقها من الحيوة الحيوانية الحسية، كما ان الباري تعالى منبع الحيوة العقلية للذوات العقلية النورية، و المنور لذواتها، و المكمل لها بإفاضة العشق و النور و الوجود على ذواتها التي أبدعت على كمالها الأتم و عشقها و تألهها منذ أول الفطرة، من اللّه مبدأها و إليه منتهاها.
فالشمس مثال اللّه الأعظم، و خليفته في عالم الأجسام بروحها و قوتها الساريتين في كل جسم من العالم، و كذلك القلب مثاله و خليفته في عالم البدن الإنساني بروحه الحيواني و قوتها الساريتين في كل عضو من الإنسان.
فروح الفلك بمثابة الروح الحيواني الذي في القلب، إذ به يحيى جميع الأعضاء. و هو «البيت المعمور» المشهور في الشريعة إنه في السماء الرابعة، المقسم به في التنزيل حيث قال: وَ الطُّورِ ١٥٧* وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ* وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ* وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ* وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [٥٢/ ٦] و لهذا جعلت مقام عيسى روح اللّه- على نبيّنا و آله و عليه السّلام- و «الكتاب المسطور» هو نقش القضاء الأول الثابت في الروح الأول العقلي، و ذلك الروح هو «الرق المنشور»، «و السقف المرفوع» هو السماء الدنيا المذكورة و قريب بالبيت المعمور لنزول الصورة منها و نفخ الروح منه فيتم بهما خلق الحيوان، و «البحر المسجور» هو بحر الهيولى السيّالة المملوة بالصور، و هي الهاوية و الجحيم عند ظهور القيامة و اللّه أعلم-.