تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٤ - مكاشفة
و أسبابها على وجه كلي، كما يظهر في قلوبنا عند استحضارنا للمعلومات الكلية كالصور النوعية- مثلا- و كبريات القياس عند الطلب للرأي الجزئي المنبعت عنه العزم على الفعل، و هو «اللوح المحفوظ» و محل القضاء لانضباط تلك الصور فيها و انحفاظها عن التغيّر و الزوال.
ثم ينتقش منه في النفوس الحيوانية الجزئية السماوية، التي هي قوى نفوسها الناطقة، منبعثة منها، منطبعة في أجرامها نقوشا جزئية مشخصة بأشكال و هيئات معينة، مقارنة لأوقات معينة مقدرة لمقادير و أوضاع معينة من لواحق المادة- على ما يظهر في الخارج- كما ينتقش في قوتنا الخيالية المعلومات الجزئية كالصور الشخصية و صغريات القياس مثلا، ليحصل بانضمامها إلى تلك الكبريات رأي جزئي ينبعث عنه القصد الجازم إلى الفعل المعين، فيجب عنه ذلك الفعل بعينه، و ذلك العالم هو «لوح القدر».
«فالقدر» عبارة عن حصول جميع الموجودات في العالم النفسي على الوجه الجزئي، مطابقة لما في المواد الخارجية، مستندة إلى أسبابها، واجبة بها، لازمة لأوقاتها. و عالمه: «عالم المثال»، لأنه خيال العالم و سماء الدنيا التي تنزل إليها الكائنات أولا من غيب الغيوب، ثم يظهر في عالم الشهادة- كما ورد في الحديث- و تلك النفوس من قوى نفوسه الناطقة بمثابة قوانا الخيالية من نفوسنا، و كل منها «كتاب مبين» كما أشير اليه بقوله تعالى: وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [٦/ ٥٩]. و قوله: ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ [١١/ ٦].
و حصول تلك الصور المعينة المقيدة بوقتها المعين هو «قدر الشيء» المعيّن الخارجي كما قال: وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [١٥/ ٢١] و محل هذا القدر هو الهيولى الاولى، التي هي بعينها «لوح ذلك القدر» الذي محله الملكوت العمّالة بإذن اللّه، كما أن محل القدر و لوح القضاء هو «العالم النفسي» و محل القضاء هو «عالم الجبروت».