تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٥ - مكاشفة
و عذاب الجحيم، لرسوخ محبتها إياها في هذه النشأة و ارتكان [ارتكاز- ن] تعلقها بها.
و إنما لم يتألم النفس بعذاب الشهوات، و لم يتأذ بلسع حيّات ملاذ الدنيا و عقاربها قبل الموت مع كونها متصلة محيطة بها غير مفارقة عنها- لقوله تعالى:
وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [٩/ ٤٩] لخدر الطبيعة و سكرها الحاصل بسبب قلة المعرفة، و كثرة الاشتغال باكتساب أسباب الدنيا و جمع حطامها.
و ربما يوجد من الناس من يجد الألم عين الراحة ١٢٧ و الراحة عين الألم، فيأكل الحميم و الزقوم في هذه الحيوة الفانية مشتهيا لذيذا عند إدراكه، و يعوق عن إدراك العقائد الحقة التي هي العسل المصفى، و اللبن الذي لم يتغير طعمه، لكونه محجوبا عن إدراك كل من القبيلين بصورته الظاهرة، فالشهوات لذيذة حلوة عنده، و الموعظة الحسنة و الكلمات الحقة كريهة مرة لديه.
و هذا لأجل مرضه الواقع بسوء العادات، كما يلتذّ بعض الناس بأكل الطين، و كما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة، و يستحلى الأشياء المرة، كمن به مرض «بوليموس» حيث يأوف حسه لغلبة الخلط السوداوي، و يخدر ذائقته عن إدراك الطعوم على وجهها، فيجد المر حلوا و الحلو مرا، كما قيل شعرا:
فمن يك ذا فم مرّ مريض
يجد مرّا به الماء الزلالا