تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٧ - مكاشفة
تكررها هيئات حسنة راسخة في النفس، فيتنور عندها بنور الصفات الملكية و يسهل معها صدور الفضائل و الخيرات، كما قال اللّه تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى* وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى [٩٢/ ٥- ٧].
و كذلك إذا تكرّرت الأفعال الذميمة و السيّئات- من البخل، و الاستكبار، و الكذب، و غيرها- حصلت من دوام تكرّرها صفات ذميمة راسخة في النفس، فتنكدر عندها بكدورة المعاصي، فيسهل معها صدور القبائح منها مما لم يكن يصدر قبل ذلك بتلك السهولة، كما قال سبحانه: وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى [٩٢/ ٨- ١٠] ١١٧ و لو لم يكن تكرر الأفاعيل مورثا لحصول الملكات في النفس لم يحصل للإنسان الصناعات العلمية و العملية.
ثم لما كانت الأفعال الحسنة مناسبة لعالم القدس ١١٨ و موطن النفس ١١٩ مقربة لها من عالمها، مذكّرة لها عهدها القديم مع أقاربها و الّافها. و الأفعال القبيحة، مناسبة لعالم الجحيم، مبعدة لها عن عالمها- و المناسب للشيء يكون أسرع تأثيرا من المخالف الغريب في إخراج ذلك الشيء عما يقتضي طبعه- فالأفعال الحسنة و الخيرات أقوى تأثيرا في سعادة النفس و كمالها و تذكرها و قربها إليه تعالى من الأفعال القبيحة و الشرور في شقاوتها و نقصها و نسيانها و بعدها عنه تعالى.
و ثانيهما إن رحمته تعالى فائقة على غضبه، سابقة عليه، كما
قال: «سبقت رحمتي غضبي» [١]
حتى أن عين الغضب و ماهيته إنما وجدت منه تعالى برحمته التي وسعت كل شيء. كيف و الوجود الفائض منه على كل شيء هو عين الرحمة عليه، فوجود الغضب إنما هو من رحمة اللّه على عين الغضب فسبقت نسبة الرحمة إليه تعالى على نسبة الغضب، و ذلك لأن الرحمة ذاتية للحق و عين الغضب ناشية من عدم قابلية بعض الأشياء للكمال المطلق و الرحمة التامة، و إليه الإشارة في قوله
[١] البخاري: كتاب التوحيد، ٩/ ١٦٥.