تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٥ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ١٨
قوله عز و جل: [سورة الحديد (٥٧): آية ١٨]
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَ الْمُصَّدِّقاتِ وَ أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)
قرء ابن كثير و أبو بكر بتخفيف الصاد في اللفظين، و الباقون بتشديدهما.
فمن خفّف كان الكلام عنده بمنزلة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [٢/ ٢٧٧] لأن المصدقين- بالتخفيف- مأخوذ من «صدق» بمعنى «آمن»، فهم الذين آمنوا و أقرضوا- أي: عملوا الصالحات- إما لأن القرض الحسن من جملة الأعمال الصالحة، لأن معناه أن يتصدق من المال الطيّب عن طيبة النفس و صحة النيّة على من استحق للصدقة، أو لأن المراد منه مطلق الفعل الحسن و العمل الصالح التي له أجر كريم، سواء كان بإيتاء أمر عينيّ أو غيره، كما أن التصديق حينئذ يتضمن الصدقة.
و من شدّد كان الوجه عنده أن قوله: أقرضوا اللّه قرضا حسنا- اعتراض بين الخبر و المخبر عنه، فهو للصدقة أشدّ ملائمة منه للتصديق، و لأحد أن يمنع كونه اعتراضيا ألبتّة، لاحتمال أن يكون معطوفا على معنى الفعل في المصدّقين، لأن اللام فيه بمعنى الذين، و اسم الفاعل بمعنى اصدقوا أو صدقوا.
و قرء «يضعّف» بالتشديد و «يضاعف» بكسر العين، أي: يضاعف اللّه لهم من الجزاء أمثال ما أنفقوا في وجوه الخير- و لهم أجر كريم- لأنه يترتب لذاته على فعل الخير، و كلما يترتب على فعل الخير يكون أجرا كريما، لأن امور الآخرة تكون شديدة قوية في الإلذاذ- إن كانت لذيذة- و في الإيلام- إن كانت أليمة- لعدم الغشاوات و الموانع عن الإدراك هناك، و كون المدرك قويا، و المدرك مكشوفا و ليست اللذة إلا إدراك الملائم، و لا الألم إلا إدراك المنافي.