تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢ - قوله عز و جل سورة السجده(٣٢) آية ٢
و المعنى- و اللّه أعلم- إنه لا ريب لأهل الكشف و اليقين، العارفين بمقامات الواصلين إلى مقام اللوح النفساني و القلم العقلاني و العلم السبحاني، ان هذا الكتاب الذي هو العقل الفرقاني و الوجود المحمدي صلى اللّه عليه و آله و سلم الذي هو لوح المعارف الإلهية و قلم العلوم اللدنية، فائض من رب العالمين بلا وسيلة من خلقه، أو ذريعة من غيره، بل اللّه قد أنشأه و أغناه من غيره، و ربّاه من مرتبة إلى مرتبة، و عرج به من عالم إلى عالم، و أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حتى بلغ غاية القصوى و ارتفع إلى مقام أو أدنى، و حيث كانت مرتبته مشتملة على جميع مراتب العوالم، لوروده على كل نشأه و عالم، فكان المربي له صلى اللّه عليه و آله و سلم رب العالمين، فوقعت الإشارة إلى هذه الدقيقة في قوله «رَبِّ الْعالَمِينَ» تعظيما لشأنه و تكريما لامتنانه.
فالكتاب إشارة إلى ذات النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، المعبّر عنه تارة بالقرآن لمقامه الجمعي الإجمالى العقلي، و تارة بالفرقان لمقامه الفرقي التفصيلي النفسي، و هما مقامان باطنيان فوق ساير المقامات النزولية و الإنزالية السماوية و الدنياوية، و اطلاق الكتاب على الجواهر العقلي القلمي القرآني، أو النفسي اللوحي الفرقاني شائع ذائع في كلام اللّه تعالى و كلام أنبيائه و أوليائه عليهم السّلام كقوله تعالى أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [٥٨/ ٢٢] و قوله تعالى: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [١٧/ ١٤] و
كقول امير المؤمنين عليه السّلام:
و أنت الكتاب المبين الذي
بآياته يظهر المضمر