تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٤ - مكاشفة
فهذه الأخبار تبيّن إنّ العالم الذي هو من أبناء الدنيا أخسّ حالا و أشد عذابا يوم القيمة من الجاهل، و إن علماء الآخرة هم الفائزون المقربون و لهم علامات:
منها: ما مرّ ذكرها من إعراضهم عن الدنيا و زخارفها و زهدهم في شهواتها، و إقبالهم إلى الآخرة، و رغبتهم في درجاتها و معارفها و حقائقها.
و منها: أن يكون أكثر اهتمامهم بالمعارف الباطنية، و معرفة عالم الملكوت و الروحانيّات، و أسرار المبدإ و المعاد، و معرفة النفس الإنسانية، و كيفيّة ارتقائها إلى الكمال، و خلاصها من النقص، و طريقها إلى الآخرة، حتى تصير نفسه عالما معقولا موازيا للعالم المحسوس مشاهدا لصورة (كمال) الكلّ آخذا هيئة الوجود من المبدإ الأوّل- إلى الترتيب الصدوري النزولي منه، و العروجي إليه- و كيفية استكشاف هذه الأمور بالمجاهدة و المراقبة و مباشرة العبادات و الأعمال الظاهرة و الباطنة، و الجلوس مع اللّه في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة، و الانقطاع إلى اللّه عما سواه، فذلك مفتاح الإلهام و منبع الكشف، فلا يكون مزاولتهم للعلوم الشرعية الظاهرة أكثر من مواظبتهم للمعارف الإلهيّة، بل ما لم يحيطوا بحظ وافر منها لم يشتغلوا باستقصاء مسائل الحلال و الحرام إلا ما هو الواجب العيني بقدر ما لا بدّ منه- دون الواجب الكفائي الذي يقوم كل أحد فيه مقام الآخر- و ذلك لوجوب الاشتغال أولا بالأهم- و الأهم: هو العلم باللّه و ملكوته و صفاته و أفعاله و كتبه و رسله و اليوم الآخر، دون العلم بأوامره و نواهيه.
كما قال الشيخ الفاضل و الفقيه الكامل زين المجتهدين رحمه اللّه- ناقلا في بعض مؤلّفاته عن بعض المحققين-: [١] العلماء ثلاثة:
عالم باللّه غير عالم بأمر اللّه، فهو عبد استولت المعرفة الإلهيّة على قلبه
[١] منية المريد: ٣٠.