تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٣ - مكاشفة
أن يكلموا الناس على قدر عقولهم لأنهم في النوم، و النائم لا يكشف له شيء إلا بمثل، فإذا ماتوا انتبهوا و عرفوا أن المثل صادق.
و إنما يعنى بالمثل أداء المعنى في صورة ٩٩ إن نظر إلى معناه وجد صادقا، و إن نظر إلى صورته وجد كاذبا ١٠٠.
فإذا تقرر هذا فنقول: هذه الآية مثال يوضح به سوء عاقبة حال أهل النفاق و وخامة مآل المغرورين من الجهّال المتشبّهين بأصحاب الكمال، فإنهم باشتغالهم بظواهر الأعمال الحسنة الممدوحة عند الجمهور- كمدارسة العلوم و فعل الطاعات- ظنّوا أنفسهم علماء أخيارا و هم مع ذلك من الحمقى الأشرار، و هم عند أنفسهم من المقربين، و في نفس الأمر من الفجّار المنافقين، و اللّه يشهد إنهم لكاذبون.
و ذلك لأنهم لم يراقبوا قلوبهم، و لم يهذّبوا أعمالهم من الأغراض الدنياوية و الشهوانية فإذا انكشف الغطاء و ارتفع الاشتباه و المغالطة ظهر إن قلوبهم من أنوار المعرفة خلا، و أيديهم من آثار الهداية صفر و هم في ظلمة الجهل و الاغترار مغروقون، و في مضائق عالم الجهل محبوسون، لا ينكشف لهم من طريق الحق موضع قدم لفقد نور البصيرة عنهم أصلا، و لا في باطنهم قوة السلوك إليه رأسا.
و ذلك لعدم قصد منهم و توجّه لهم شطر الحقّ خالصا: أما الإدراك:
فلم يدركوا إلا اعتقادات موروثة تعصبية متبنّية على أغراض نفسانية، فرسخت في قلوبهم و صارت مسامير مؤكّدة، لأن طبائعهم كانت أليفه إليها في مبادئ النشؤ أنيسة بها، و قد أخذوها من معلّميهم بحسن الظن في أول التعاليم، فصارت حجابا لهم عن إدراك الحقائق الحقة، فبقوا في ظلمة شديدة لا أوحش منها.
و أما العمل فإنه فرع العلم فمتى لم يكن المعبود في التصوّر معبودا حقا لم يكن العبادة له عبادة للحق، فلم ينتج ذهابا إليه و قربانا منه.
فنقول قوله سبحانه: انظرونا نقتبس من نوركم- مثال لحال بعض المشبهين بالعلماء من أهل الظاهر حيث انتبه قليلا في آخر أمره عند خمود حرارة