تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٧ - مكاشفة
و قال عبد اللّه بن مسعود: «و يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من نوره مثل الجبل و أدناهم نورا نوره على قدر إبهام قدميه فيضيء مرّة و يطفئ اخرى فإذا أضاء قدمه مشى و إذا طفى قام».
و لمّا كانت الحركة و الإدراك متلازمين لقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ [٥٠/ ٢١] فالأول إشارة إلى قوة التحريك و الثاني إشارة إلى قوة الإدراك.
ثم لكل إدراك حركة تناسبه، فمرورهم على الصراط على قدر نور ايمانهم، و من كان نوره كالشمس كان مروره كطرف العين، و من كان نوره دون ذلك كان مروره على قدره، فمنهم من يمر كالبرق، و منهم كالسحاب، و منهم كانقضاض الكواكب، و منهم من يمر كشدّ الفرس، و الذي اعطى نور على إبهام قدمه يحبو على وجهه و يديه و رجليه يجرّ يدا و يعلّق اخرى، و يجرّ رجلا و يعلّق اخرى، و تصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، و بهذا يقاس تفارق الناس في المعارف.
و لذلك
جاء في الخبر: «إنه تعالى يخرج يوم القيامة من النار من في قلبه مثقال ذرّة من الايمان، و نصف مثقال و ربع مثقال، و شعيرة و ذرّة» [١].
كل ذلك تنبيه على تفاوت درجات الايمان بحسب قوة اليقين و إشراقه، و سرعة التفطّن و التحدّس بحقائقه و أسراره و أن هذه المقادير من الايمان لا يمنع دخول النار.
و قال بعض العلماء في مفهوم هذا الخبر: «إن من إيمانه يزيد على مثقال فإنه لا يدخل النار إذ لو دخل لأمر بإخراجه أولا، و إنّ من في قلبه مثقال ذرّة لا يستحق الخلود في النار و إن دخلها».
و قوله تعالى: وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٣/ ١٣٩] تفضيل للمؤمن العارف على المسلم و هو المقلّد مع سلامة قلبه عن النفاق.
و أما قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [٥٨/ ١١] فأراد هاهنا «بالذين آمنوا» الذين صدقوا تقليدا من غير علم برهاني
[١] جاء ما يقرب منه في سنن ابن ماجة: المقدمة، باب في الايمان: ١/ ٢٣.