تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٥ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ١٢
قوله عز و جل: [سورة الحديد (٥٧): آية ١٢]
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)
الظرف متعلق بقوله: و له أجر كريم. أو منصوب بتقدير «اذكر» تعظيما لذلك اليوم. فعلى الأول ٨٩ معناه: يصل هذا الأجر الكريم إليهم يوم القيمة- و هو يوم يسعى للمؤمنين نورهم بين أيديهم و بأيمانهم إلى الجنة، فإن الطريق إلى جنّة المقربين إنما يكون على الوجه الأول- لأنها عقلية واقعة في سلسلة الأسباب المؤدية ٩٠ إلى وجود الإنسان يسلكها العالم الرباني مرتقيا إليها بأنوار المعارف العقلية- و إلى جنّة السعداء على الوجه الثاني- لأنها جسمانية واقعة في السلسلة العرضية المعلولية، فيتوجّه إليها أهل النسك و الصلاح و أصحاب اليمين، منعطفا إليها بنور العبادة و قوة الأعمال الحسنة، و لهذا المعنى قيل: اليمين طريق الجنة-.
و قد صرح بعض أهل الكشف و العرفان بأن البرزخ الذي يكون الأرواح فيها بعد المفارقة من النشأة الدنياوية هو غير البرزخ الذي بين الأرواح المجردة و الأجسام، لأن تنزّلات الوجود و معارجه دورية، لكنهما يشتركان في كونهما عالما نورانيا و موطنا ملكوتيا- فالسعداء مطلقا يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما ان الأشقياء يؤتونها من شمائلهم و وراء ظهورهم.
و قوله: بشراكم اليوم- بمنزلة الحال، أي: يسعى نورهم حين يقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم «بُشْراكُمُ الْيَوْمَ»، و هذه الملائكة المبشرين بالجنات مختلفة الدرجات في القرب إليه تعالى حسب تفاوت منازل أهل الجنان في التقديس و الخلوص، مع اتفاقها في حصول الحقائق ٩١ و صورها الحسان، فالجميع- جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم- أي: الخلاص عن كل مرهوب، و الظفر بكل محبوب، فإن كل واحد من أهل الجنان له ما يشتهيه