تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩١ - مكاشفة
كثير حاجة إلى فعل هذه القوى كما يحصل لأهل اللّه [١].
و لقوله تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد اللّه شاهدين على أنفسهم بالكفر- لكونهم جسمانية و التجرد شرط الايمان و المعرفة- أولئك حبطت أعمالهم و في النار هم خالدون* انّما يعمر مساجد اللّه- بالمعرفة و العبودية- من آمن باللّه و اليوم الآخر و أقام الصلوة- أي ذكر اللّه- و آتى الزكاة- أي من الأجساد التي في تصرفه فتزكيها بتحليلها بالرياضات و العبادات في سبيل المعرفة- و لم يخش الّا اللّه- لكونه عالما به و انّما يخشى اللّه من عباده العلماء- فعسى أولئك ان يكونوا من المهتدين- إلى طريق الآخرة و عالم القدس- أ جعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام- اللتان هما فعل الغاذية و النامية، إذا القوى الطائفة بكعبة البيت الحرام في مسجد الصدر إنما تتقوت من فعل الغاذية و جسمية هذا المسجد إنما يتعمّر بفعل النامية- كمن آمن باللّه و اليوم الآخر- و هي القوة العقلية- و جاهد في سبيل اللّه- بمعارضتها و مصادمتها للواهمة و وساوسها الشيطانية- لا يستوون عند اللّه و اللّه لا يهدى القوم الظّالمين* الّذين آمنوا و هاجروا- من موطن الجسمية إلى عالم التجرد و الملكوت- و جاهدوا في سبيل اللّه بأموالهم و أنفسهم- من المواد البدنية و القوى المحمولة لها- أعظم درجة عند اللّه و أولئك هم الفائزون* يبشّرهم ربهم برحمة منه و رضوان و جنّات لهم فيها نعيم مقيم* خالدين فيها أبدا انّ اللّه عنده أجر عظيم [٢].
و كما إنه قد يستعين المجاهدون في مجاهدة طائفة من الكفار بطائفة اخرى منهم كذلك في مجاهدة النفس يقع نظيره، كما يدفع الإنسان ثورة (سورة) الشهوة بالغضب، فإن بالغضب ينكسر الشهوة كما ينهزم الخنزير من النمر، فالحكيم تارة يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه و مرة يدفع ضراوة هذا الكلب بتسليط الخنزير عليه، ليجعل الكل مقهورا تحت سياسته، منخرطا في سلك عباد اللّه المسلمين، و يظهر
[١] الآية من سورة التوبة: ٩/ ٢٨.
[٢] الآية من سورة التوبة: ٩/ ١٧- ٢١.