تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٠ - مكاشفة
تصلح للآثار الحقة و الباطلة- صلوحا متساوية- و إنما يترجح أحد الجانبين على الآخر باتباع الهوى و الشهوات، و الإعراض عنها.
فإن اتبع الإنسان مقتضى شهوته و غضبه ظهر تسليط الشيطان بواسطة اتباع الهوى و الشهوات بالأوهام و الخيالات الفاسدة الكاذبة، فصار المملكة إقطاع [أقطار- ن] الشيطان، و صار القلب عشّه و مسكنه، و الهوى مرتعه و مرعاه لمناسبة ما بينهما.
و إن جاهد الشهوات و لم يسلطها على نفسه، و قابل بصفوف جنود الملائكة صفوف جنود الشياطين، فتقابل الصفّان، و تقاتل الجندان، و تدافع الحزبان فدفع كل من حزب اللّه ما يقابله من حزب الشيطان، فبقوة البرهان اليقيني بوجود النشأة الباقية عارض الأوهام الكاذبة و الظنون الباطلة الداعية إلى الشهوات و الركون إلى زخارف الدنيا و الإخلاد إلى أرض البدن و الاقتصار على هذه النشأة الزائلة و بقوة الصبر عارض الهوى، و بقوة الخوف عن سوء العاقبة عارض الأمن من مكر اللّه، و بقوة الرجاء عارض القنوط من رحمة اللّه، و بالعزيمة طرد الكسل.
و هكذا يدفع بكل جند من جنود الرحمن جندا يقابله من جنود الشيطان حتى ينفتح للقوة العاقلة أول بيت وضع للناس للذي ببكة الصدر، و أول معبد و مسجد وضع للقلب الحقيقي بمكة الصدر المعنوي الذي هو مزدحم القوى المتوجهة إليه، و هذا هو المسجد الحرام دخوله على القوى المشركة الطبيعية الدهرية لقوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا- خطابا للقوة الدراكة- انّما المشركون- من القوى الطبيعية- نجس- لمباشرتها الأرجاس البدنية و القاذورات بالإحالة و الهضم و النقل من موضع إلى موضع- فلا تقربوا المسجد الحرام- و هو معبد (مسجد) القلب المتنور بنور المعرفة و الإخلاص- بعد عامهم هذا- أي: عام الفتح و زمانه- و ان خفتم- من منعها عن الدخول فيه عيلة من عدم الفعل الغاذية و غيرها- فسوف يغنيكم اللّه من فضله ان شاء- بأن يحصل لكم التقوّت بالمعرفة و الاستغراق في شهوده بحيث لم يبق لكم