تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٩ - مكاشفة
و المغالبة عليها، و لا يمكن الغلبة عليها إلا بتسخير القوى، و ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، و كل واجب مأمور به و لو تبعا.
فالقوة العقلية مأمورة من قبل اللّه بتسخير القوى البدنية و فتح هذه البلدة المحرمة التي هي فيها بجنود لم تروها- من الأخلاق السليمة و الصفات الملكية الحاصلة بتأييده سبحانه و إمداده في بعض الآدميين و بجنود منقادة لها من عالم الجسم و البدن، و هي التي ليست مزاحمة للقوة العقلية بعناية اللّه و لطفه ليتسلط على المملكة و الجنود، فتصير القوى في جميع أوامرها و زواجرها طائعات، و لسلوك سبيل اللّه مستتبعات بعد ما كانت عائقات- و تلك الأخلاق الحسنة كقوة الذكاء، و سرعة التفكر، و الجود، و الكرم، و العزم، و الصبر الجميل، و التوكل و غيرها مما يتفاوت و يتفاضل في الشرف بحسب أنواعها المختلفة بالحقيقة و أشخاصها المختلفة بالمحل، و في المطاوعة و المتابعة لرئيسها و خليفة اللّه عليها في أرض البدن، فلا يزال المطاردة و المقاتلة بين جنود الملائكة و جنود الشياطين قائمة في معركة النفس الإنسانية إلى أن تنفتح المملكة الآدمية لأحدهما فيستوطن فيها و يطرد الاخرى و يخرجها عن البلدة بحيث لا يكون لها الدخول فيها إلا اجتيازا.
و أكثر النفوس مما قد فتح مملكتها البدنية و سخّرها جنود الشيطان و ملكوها، فامتلأت بالوسواس الداعية إلى إيثار العاجلة و إطراح الآخرة، و قليل منها قد استولت فيها القوة العاقلة على القوى الشيطانية و سخّرها، فأسلمت و أطاعت كلمة اللّه و أمرها، و أجابت دعوة الحق و انخرطت مع ساير القوى المسلمة المطيعة طاعة رئيسها المطلق و مخدومها بأمر الحق.
و النفس الإنسانية لصفائها و لطافتها صالحة بحسب أصل الفطرة لقبول آثار الملكية و الشيطانية لتقلبها في النشآت و تطورها بالأطوار و تلوّنها بالألوان المختلفة كالإناء الزجاجي اللطيف الذي يتلون بلون ما فيه.
كيف، و لو لم يكن لها من اللطافة و قبول الأثر ما يقبل كل صورة و يتنقش بكل نقش لم تقبل آثار الملكية، و لم تنقش فيها صور الحقائق الإلهية فهي في أول الفطرة