تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٢ - مكاشفة
الجسماني- فلكيا كان أو عنصريا- تدريجي، لأن حقيقتها متقومة بالتغيّر.
فكل عاقل لبيب إذا فكر في كيفية إيجاد الأجسام الطبيعية و عوارضها و صفاتها الطبيعية يعلم و يتحقق إنها واقعة في مقدار من الزمان، و يتيقّن إن هيولى الكل قد أتى عليه دهر طويل ٤٥ و أمد مديد إلى أن تمحض ٤٦ و تميز اللطيف منها من الكثيف، و العالي منها من السافل، و الفلكي منها من العنصري، و النيّر من المظلم، و تقبل الكرات الفلكية و الأنوار الكوكبية و تحيط بعضها ببعض ٤٧، و إلى أن استدارت الأجرام الكلية و الكرات الكوكبية و ركزت على مراكزها، و إلى أن تميزت الأركان الأربعة و ترتبت مراتبها و مزّجت فنون تمزيجاتها لينتظم الكل كأنها شخص واحد ٤٨ متعاون بعضها ببعض، منتفع بعضها من بعض كأبعاض بدن واحد إنساني في مدة العمر.
و الدليل على ذلك قول اللّه سبحانه: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [٥٧/ ٤] وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [٢٢/ ٤٧].
و أما الأمور الربانية و الأشعة الإلهية فهي كأنها من مراتب علمه الأزلى و عالم قضائه و أمره السرمدي و حجب ربوبيته و سرادقات عزته لا يبلغ عقول البشر كنهها، و قد يعبر عنها في لسان الشريعة بعبارات و رموز لا يفهم مغزاها إلا من أيّده اللّه بتوفيق خاص و هي المشار إليها في قوله تعالى: وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [٥٤/ ٥٠] تنبيها على عدم تجددها و تغيرها و ارتفاعها عن عالم الزمان و التغيير.
و قد وقع في بعض شرايع السابقين و ملل الأقدمين إشارة إلى كيفية حدوث الأفلاك و ما في جوفها من أمر اللّه سبحانه على سبيل الرمز [١]:
إنه قد أتى دهر طويل على النفس الكلي- أي الملك الأعظم الحامل للعرش الرئيس على جملة الحملة و المدبرات السماوية- قبل تعلقها بالجسم ذي الأبعاد،
[١] مقتبس من رسائل اخوان الصفا: الرسالة التاسعة من النفسانيات و العقليات: ٣/ ٣٥٣.