تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٨ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٤
- كل منها على قدر وعاء وجوده و حوصلة إدراكه و شعوره- لعظمته و مجده و جماله و جلاله، و بيّن ذلك بأن له التصرف في الجميع بالمالكية و الإفادة و الإحياء و الإماتة، و أنه أول كل شيء و آخره و ظاهره و باطنه، و المملوك لا محالة تكون خاضعا ساجدا لربه و مطيعا لخالقه، فأراد أن يشعر بأن كونه بحيث يخضعه و يسجد له الجميع ليس أمرا جزافيا أو اتفاقيا، أو حكما إجباريا من غير استحقاق، بل هو أمر يليق بشأنه، واقع في مقابلة لطفه و إحسانه و كرمه و امتنانه، حيث نظّم امور العالم على أبدع نظام و أفاد وجود كليات الجواهر و عظائم الأجرام على أشرف وضع و انتظام.
إذ؟؟؟ أنشأ أعيان السموات و أبدعها لا من شيء يقتضيه و لا على مثال يحتذيه، ثم أمسكها بلا عماد و أنشأ الأرض و أوجدها بلا اعتماد في ستة أيام- و لم يخلقها في لحظة واحدة و إن كان مقدورا له تعالى، لأن خلقها في هذه المدة أصلح و أليق بحال الكائنات و أنسب بنظام المخلوقات-.
و رتّبها على أيام الأسبوع، فابتدأ بالأحد و ختم بالجمعة، فاجتمع له الخلق يوم الجمعة، فلذلك تسمى جمعة- عن مجاهد-.
و قيل: إن إيجاد الحوادث على إنشاء ٣٢ شيء بعد شيء على التدريج و الترتيب أدلّ على كون فاعله عالما مدبرا يصرّفه على اختياره كيف يشاء حريّا بأن يعبده و يسجد له و يطيع أمره جميع عباده و من كان في ملكه و ملكوته.
و قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي: استوى أمره إلى ملكه لأن الأمور و التدابير تنزل منه.
و عن الحسن: يعني استقر ملكه و استقام بعد خلق السموات و الأرض و ظهر ذلك للملائكة.
و إنما أخرج هذا على المتعارف في كلام العرب كقولهم: «استوى الملك على عرشه»- إذا انتظمت امور مملكته- و إذا اختلّ أمر ملكه قالوا: «ثلّ عرشه».
و لعل ذلك الملك لا يكون له سرير أصلا و لا يجلس على سريره أبدا، قال الشاعر: