تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٠ - مكاشفة
الناطقة الإنسانية و الحيوانية خاصة- من حيث أعيان نفوسهم لا من حيث هياكلهم، فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح و السجود له، أ لا تراها تشهد على النفوس المسخّرة لها يوم القيمة من الجلود و الأيدي و الأرجل و الألسنة و السمع و البصر و جميع القوى فالحكم للّه العلي الكبير.
فإن قلت: فما تقول في الاستثناء الواقع في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ [٢/ ٣٤] فإن السجدة المأمور بها لآدم في الحقيقة سجدته للّه تعالى و طاعة لأمره، فإباء إبليس ١٣ من سجدة آدم عين إبائه من سجدة ربه و لهذا كان من الكافرين، فينافي ذلك بحسب الظاهر عموم الآيات المنقولة و كلية الحكم بعبادة كل موجود من حيث هو موجود عبادة جبليّة.
قلنا: إن إباء إبليس ١٤ عن السجود و استكباره و عصيانه بحسب ظاهر الأمر هو عين سجوده و طاعته و خدمته و تواضعه لربه باعتبار القضاء الأزلي، فإن العزيز الجليل أقامه في حجاب العزة و الجلال ذليلا محجوبا حتى يكون إبليس مطرودا ملعونا محترقا بنار البعد و الضلال في الدنيا و معذبا بنار الجحيم و النكال في الاخرى- حسب ما جرى عليه القضاء- فلم يكن له بدّ من موافقة علمه ١٥ ١٦ تعالى الذي هو عين إرادته، و لذلك أقسم بعزته تبارك و تعالى للإغواء، لأن الإغواء من مقتضيات العزة، و الاحتجاب بحجب الجلال.
و لعل في قوله: وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- في هذه الآية- إيماء بأن طاعة الموجودات و تسبيحها للحق تعالى على النهج الطباعي الشمولي الذي جرى عليه القضاء الأزلي، و لا يمكن لأحد التفصّي عنه و العدول إلى غيره، فعصيان العصاة و تمردهم نحو من الطاعة و الامتثال لحكم الأسماء فأهل الحجاب أو عباد الكثرات لا يجيبون دعوة التوحيد، و من كان في مرتبة الجمع ١٧ يطلع على مراتبهم و يعذر الكل فيما هم عليه و يعلم إن انكارهم عين الإقرار ١٨ و فرارهم عين الإجابة لدعوة العزيز الجبّار.