تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) آية ١
في وضع الحساب، متفرد بالأولية و الانقطاع عن غيره في وضع الحروف، و يشير استقامته و عدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغير المبدإ تعالى عن الوجود الوحداني أزلا و أبدا، و بأن «الألف» مصدر جميع الحروف، فان من استقامة خطه يخرج كل حرف معوّج، ثم في «اللام» «و الميم» المتصل كل حرف منهما بالآخر اثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوف بالاثنينية، و انه كمثل الوحدة في الوجود، فالصفوة المشار إليها في «الم» هي ان «الالف» يشير إلى وجود حقيقي كامل في ذاته و صفاته، موجد للموجودات التي لها وجود ناقص مفتقر إليه قائم به، و هو الفاعل و الحاكم و المتصرف فيها. و «اللام» يشير إلى معنيين: اثبات و نفى، فالإثبات يشير إلى لام التمليك، يعني له ما في السموات و ما في الأرض ملكا و ملكا، فعلا و صنعا. و بالنفي يشير إلى لاء النفي، يعنى لا وجود لشيء حقيقة إلا له.
و «الميم» ايضا يشير إلى معنيين نفي و اثبات، فالنفي يشير إلى ماء النفي يعنى ما في الوجود حقيقة إلا هو، و بالإثبات يشير إلى اسمه القيوم، يعني هو القائم بنفسه، و المقيم و القيّام لغيره، فالغير محو في إثبات قيوميته و ديموميته، فهو على الحقيقة كاين كما كان، بلا مكان و لا زمان، و دليل هذا التأويل للسر و الصفوة في هذه الحروف، ما أظهره اللّه سره المكتوم فيما بعده في سورة آل عمران، و هو قوله:
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [٣/ ٢] و ممن تصدّى لاستكشاف أسرار هذه الحروف المقطعة شيخ فلاسفة الإسلام أبو علي بن سينا، في رسالة عملها لبيان هذا المرام، و لعمري انه قد بالغ في تطبيق رموز هذه الحروف على عظائم الأمور الإلهية التي ناسب ذكرها و تعظيمها و الإقسام بها في أوائل السور القرآنية.
و ملخص ما ذكره بعد تمهيد الكلام- طوينا ذكره مخافة الإسهاب- هو انه ينبغي أن يدل بالألف الواقع أولا في الترتيب القديم- و هو ترتيب أبجد هوز- على الباري، لكونه أول الموجودات، و بالباء على العقل و عالمه لأنه يتلوه في الموجود و «بالجيم» على النفس و عالمها، و «بالدال» على الطبيعة و عالمها. هذا إذا أخذت هذه الموجودات