تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٣ - مكاشفات سرية و نفثات روعية
و جعلنا الكتاب هاديا لهم- عن الحسن- و جعلنا منهم أئمة يهدون الناس و يدعونهم إلى ما في التوراة من دين اللّه و شرائعه لما صبروا عليه من مشاقّ التكليف و تثبتهم على اليقين، كما نجعلن من أمتك أئمة يهدون مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين و تثبتوا عليه من اليقين- و عن الحسن: صبروا عن الدنيا.
و نقل في الكشاف: إنما جعل اللّه التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة و لم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل عليه السّلام. و هذا النقل ايضا يدل على أن الغالب فيها الأحكام العملية التي يتطرق إليه النسخ و التغيير، دون المعارف و الربوبيات المحفوظة عنها.
مكاشفات سريّة و نفثات روعيّة
اعلم إن الفرق بين القرآن المجيد و سائر كتب اللّه المنزلة على الأنبياء، بأن القرآن كلام اللّه و كتابه جميعا و غيره كتاب فقط، و كلام اللّه أشرف من كتابه بوجوه:
أولها: إن كلامه تعالى قوله، و كتابه فعله، و القول أقرب من القائل من الكتاب إلى الكاتب، فكلام اللّه أشرف من كتابه.
و ثانيها: إن الكلام و القول من عالم الأمر: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [١٦/ ٤٠] و الكتاب من عالم الخلق، و عالم الأمر كله علوم عقلية و حقائق معنوية بخلاف عالم الخلق، لأن العلوم و المعاني زائدة فيه على صحائف مداركها و ألواح مشاعرها.
و ثالثها: إن كلام اللّه نزل على قلب الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و سره، و كتاب اللّه نزلت صورة ألفاظها على ألواح و قراطيس.
و رابعها: إن تلقّى الكلام و تعلّمه بأن يتجلى حقيقته و تنور معناه على قلب من يشاء من عباده، لقوله تعالى: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [٤٢/ ٥٢] و من علمّه اللّه تعالى القرآن بهذا التعليم كان عليه من اللّه فضلا عظيما، كما قال لحبيبه بعد تعليمه: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ