تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٧ - تتمة
يتكشف له ما نفس حقيقة الوجود المحض المجرد عن كل موضوع و محل، و المستغني عن كل سبب فاعلي أو غائي كالماهيات أو مقوّم فصلي كالأنواع، أو مقسم كالأجناس أو مشخّص كالكلي مطلقا، أو صورى كالمواد، أو مادي كالصور و الأعراض، أو الجميع كالأجسام، لأن كلّا من هذه الأمور يسقط أوليته و تقدمه فيعلم إنه بسيط الحقيقة من كل الوجوه، غنيّ عما سواه، مفتقر إليه ما سواه دفعا للدور و التسلسل، فيعلم من هذا إن صفاته الكمالية عين ذاته و الجميع أمر واحد فلا تكثر [في] الواجب بالذات، فيكون الباري أحديّ الذات و الصفات جميعا، فيكون خالقيته بما هو ذاته و وجوده.
فإذا علم ذاته و صفاته على هذا الوجه و علم أن ذاته و صفاته [واحد] يعلم أفعاله، و أنها نهج واحد مستمر لقوله: وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [٣٣- ٦٢] فيعلم أن أول ما صدر يجب أن يكون جوهرا قدسيا ثم جوهرا آخر كذلك إلى ما شاء اللّه من سلسلة الملائكة المقدسين، و بتوسط أولئك المقربين سلسلة أخرى من النفوس المجردة ضربا من التجرد و ضربا من التعلق بالأجرام الدوارة شوقا و طربا إلى لقاء اللّه لورود الإشراقات العقلية المتتالية على ذواتهم، لكل منها بواسطة علة مفارقة قريبة مختصة، و ذلك لاختلاف الحركات و الآثار الدالة على اختلاف الوسائل لئلا ينثلم وحدة الباري جل مجده، و بالجملة ينتقل من كل عال إلى سافل و يعرف من خاصية كل فاعل كيفية فعله و أثره إلى أن يستقصى الموجودات و يحيط بالعالم الموجود بنور مبدع الوجود، و هذه طريقة الصديقين الذين يعرفون بنور الحق ما سواه، و لا يستدلون على نور الوجود بهذه الظلام، و لا على صباح الفطرة بليالي هذه الأجسام.
تتمة
ثم إن قوله تعالى «جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» قد حسم عرق أطماع المتمنين و قلع باب اغترارات المعطّلين القاعدين عن تحصيل العلم و العرفان، ظنا منهم ان مجرد دعوى الايمان أو التشبث بأئمة هذا المذهب أو صورة الأعمال الظاهرة يؤدي إلى نعيم الجنان، أو رضوان من العزيز الرحمان، من غير معرفة السبب المجازي