تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٠ - و أما الطريقة الثانية
شهوته انبعث على الفور في خدمته بإحضار شهوته؛ أو رآها ماثلا بين يدي كلب عقور، عابدا له، مطيعا لما يقتضيه و يلتمسه، مدقّقا بالفكر في حيل الوصول إلى طاعته، و هو بذلك ساع في خدمة شيطانه، فإنه الذي يهيّج الخنزير و يثير الكلب و يبعثهما على استخدامه، فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما.
فليراقب كل عبد حركاته و سكناته و نطقه و قيامه و قعوده، و لينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعيا طول النهار في عبادة هؤلاء، و هذا غاية الظلم إذ جعل المالك مملوكا، و الربّ مربوبا و السيد عبدا؛ إذ العقل هو المستحقّ للسيادة و القهر و الاستيلاء على هذه الأشياء، و قد سخّره لخدمة هؤلاء، فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء الثلاثة صفات تتراكم عليه حتى يصير طبعا (طابعا- ن) و رينا مهلكا للقلب و مميتا له [...] و لا يزال يتراكم عليه الصفات السبعية و البهيميّة و الشيطانيّة مرّة بعد اخرى إلى أن يسود و يظلم و يصير بالكلية محجوبا عن اللّه، و هو الطبع و الرين المذكور في قوله تعالى: بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [٨٣/ ١٤] و قوله: وَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [٧/ ١٠٠]»- انتهى.
و يظهر من هذا الكلام- الصحيح المقدّمات- أن الإنسان إذا غلب على ذاته الصفات السبعيّة و البهيميّة و الشيطانيّة- بعضها أو كلّها- و يصير بحيث لم يبق فيها آثار الملكيّة (الملائكة- ن) من العلم الإلهى و الزهد عن الدنيا و الورع عن محارم اللّه أو يوجد فيه بعض آثارها و لكن يكون مقهورة مغلوبة لغاية العلّة و الضعف مع عدم المعرفة- كبعض الأفعال الحسنة الصادرة عن بعض الأشقياء اتفاقا أو رياء، لا من جهة ملكة الايمان و العرفان- فهذا الشخص الإنساني لا محالة لا يكون بحسب الحقيقة في القيامة إلا بهيمة أو سبعا أو حيوانا مركّبا منهما أو شيطانا محضا، إذ الآثار وجوه (عنوان- ن) المؤثرات، و الأفعال عنوانات