تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠ - مقدمة المؤلف
في خلق السموات و الأرض بدقائق الأنظار، و المتفكرين في عجائب صنع اللّه بالتدبّر و الاعتبار، القائلين: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ و المؤمنين بهم و بأحوالهم على سبيل الاستبصار، و المحبين لهم عامة من غير استكبار عن طلب الحق أو استنكار، فإن لكم أهليّة هذه المخاطبة العلية، و فيكم استيهال إتحاف هذه التحفة السنيّة- إن اللّه سبحانه من جملة ما منّ به على عبده الفقير إليه لدى التوجّه إلى جنابه من كل جناب و التوسّل إلى بابه من كل باب- مع خلوص النيّة و صفاء الوقت- أن اطلّعه على بعض أسرار كتابه الكريم، الحاوي كل معرفة جليلة و علم جسيم، من المعاني الإلهية و المعارف الربانية و الرموز النبوية و الإشارات الولوية الإلهامية، التي لم يحط بها أحد من العلماء المشتهرين بعلوم التفسير للتنزيل، و لم يحم حولها واحد من الفضلاء المتفكرين في بدائع علم التأويل.
لكني منذ وقفت على خزائن تلك الأسرار و اطّلعت على معادن الجواهر المودعة في قلوب عباد اللّه و أوليائه الأبرار و علمائه الأخيار و استجليت (استجلبت- ن) منها ما شاء اللّه و قدّر عند رفع الأستار و كشف الأنوار لم أجد من جانب الحق لإظهار ما جاد به باعثا يوجب الإفادة و الإظهار و لا رغبة تدعوا الى التصريح و الإظهار فرجح عندي السكوت و الكتمان، و غلب في حكم الإخفاء على الإعلان، مع ما في الطبائع المئوفة و الغرائز العسوفة الواقعة في هذا الزمان من القصور و النقصان، و الفتنة و الحسد و العدوان و الطغيان، لحكمة قضائية و مصلحة قدريّة بها تنتظم خلقة الإنسان، و لا تتمّ بدونها المعيشة الدنياوية المتوقّفة على فنون الحرف و الصنائع في المدن و البلدان.
و لم يزل هذا حالي إلى أن جدّد الحق داعية العزم لهذا العبد كرة اخرى و اهتزّ معه حامل الانبساط مرة بعد اولى و تحرّك خامد النشاط بشعلة ملكوتية آنس من جانب