تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٣ - الفصل الثالث في أن جميع المعارف الربوبية و المسائل المعتبرة في علم التوحيد ينشعب من هذين الأصلين
الصريح اصول فاسدة ارتكبوها تعصّبا و عنادا من غير بصيرة كشفيّة، و لا معرفة حاصلة من اصول صحيحة إلهيّة مقتبسة من مشكوة نبويّة، أو حذرا من الاعتراف بالجهل و القصور في إدراك الأسرار الايمانيّة و المعارف الربوبيّة، و كيفيّة صدور الأفعال الإلهيّة على الوجه الذي لا يوجب نقصا و لا نقضا، فإن ذلك مما لا يتيسّر إلا برفض الهوى و الشهوات، و ترك الجاه و الترفّعات، و اختيار الخمول و الانزواء، و إيثار الفناء على الشهرة و الرياء مع سلامة الفطرة و شدّة الذكاء.
و منها أنه تعالى إذا كان حيّا كان سميعا بصيرا، لأن الحياة مصحّحة للإدراك بأنحائه؛ إلا ما يوجب تكثّرا أو تجسّما، و المصحّح للشيء بمعنى الإمكان العامي في عالم الربوبيّة و عالم التجرّد كاشف عن الضرورة اللزوميّة، إذ لا جهة إمكانية في ذات الواجب، لاستلزامها التركيب فيه من الجهتين- الإمكان و الوجوب- كما لا وجه هناك للإمكان بمعنى القوّة و الاستعداد، لأنه من لواحق المادّة الجسمانية- كما حقّق في مقامه-.
و إنما قلنا أن السمع و البصر مع كونهما نحوان مخصوصان من الإدراك لا يوجبان نقصا و لا تكثّرا لأن تخصّصهما ليس باعتبار المحلّ ليوجب التجسّم- تعالى عنه علوّا كبيرا- بل إمّا باعتبار المتعلّق- فإن مدرك أحدهما الأصوات و الحروف و مدرك الآخر الأضواء و الألوان- أو باعتبار نفس الإدراك، فإنّهما مما يعتبر فيهما المشاهدة الحضوريّة و الانكشاف الإشراقيّ النوري، بخلاف مطلق العلم بالمسموعات و المبصرات، إذ لا يقال له السمع و لا البصر ما لم يكن بنحو المشاهدة، فيكون اتّصافه تعالى بهذين الوصفين بالحقيقة لا بالمجاز- كما ظنّ- و أمّا الجارحة المخصوصة فليست معتبرة في