تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٦ - الفصل الثاني في اثبات كونه تعالى هو الحي القيوم
منها مسلك الخليل عليه السلام و هو النظر في الحركات و الأشواق الكليّة للأجرام العظام الفلكيّة المستلزمة للأفول في هويّ الإمكان، و هو مبغوض ممقوت للسالك الهارب عن النقص و الفناء، الطالب للوجود و البقاء، و لذلك قال لمّا رأى افول الكواكب: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [٦/ ٧٦]، و قال أيضا- على نبيّنا و عليه السلام-: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [٢٦/ ٧٧] عند انزعاجه إلى المحبوب الأول و انقطاعه عن الأسباب و العلل.
و منها طريقة النفس الإنسانية من جهة قوامها لا بالبدن و تجرّدها عن الأحياز و الأمكنة، و علمها بذاتها و كونها مع تجرّدها مما لا يخلو عنها جزء من أجزاء البدن- علوها و سفلها- فإمكانها يوجب الانتهاء إلى موجود واجب الوجود مقدّس عن الأجرام و الأحياز و الأمكنة و الأقدار، و مع ذلك لا يخلو عنه سماء و لا الأرض، و لا برّ و لا بحر، إذ موجد الشيء أولى بأن يكون بريئا من النقائص التي تتبرأ عنها المعلول.
و هذه طريقة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله
لقوله عليه السلام: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» [١]
و هي أشرف الطرق المسلوكة لغيره من الأنبياء و الحكماء، و ذلك لأن المسلك فيها عين السالك فلا يمكن أحسن منها في الطرائق الإمكانية فما أشرفها و أشرف سالكها و ناهجها صلّى اللّه عليه و آله، نعم هاهنا طريقة أخرى أشرف الطرائق كلها، بل لا نسبة لها إلى غيرها و قد سلكها الرسول و سلكها الصدّيقون من أهل بيته و أولاده- عليه و آله الصلوة و السلام- و سلكها الشهداء الصالحون من أمّته- التي هي خير أمّة أخرجت للناس- و هي النظر أولا في حقيقة الوجود المطلق الفطري التصور هويّة، الضروري التصديق هليّة، لكونه أظهر من أن يستر و أجلى من أن يخفى، ثم الارتقاء منه إلى نيل مرتبة الأحدية، و درك حقيقة الواجبية، و هويّة نور الأنوار، و إنيّة الواحد القهار.
[١] مصباح الشريعة: ٤١ و نسبه ابن أبى الحديد (٤/ ٥٤٧) الى على (ع).