تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٥
و من هاهنا يعلم أن الكواكب- و هو صورة الطبع و الحسّ التي هي أول النشآت الحيوانية- و القمر- و هو صورة النفس التي هي أول درجات الإنسان السالك- و الشمس- و هي صورة العقل التي هي آخر منازل عالم الإمكان- إشارة إلى صور العوالم الثلاثة، كان السالك في أول سلوكه في واحد منها بحسب رغبة النفس و هواها ثمّ مات عنه اختيارا و دخل في الثاني، ثمّ ماتت رغبته عنه و دخل في ملكوت السموات لقوله تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [٦/ ٧٥] ثمّ ماتت رغبته عن الكل بقوله: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [٦/ ٧٦] و فنى عن نفسه بربّه و وجّه وجه ذاته لفاطر سموات العقول و أرض النفوس، حنيفا عن آثام الوجود و الهويّة، مسلما حقيقيا موحّدا له تعالى من غير إشراك لغيره، و إن كان هويّة السالك و هواه التي ما زالت هي المعبود أصالة في كل عبادة و محبة لغير اللّه، كما دلّ عليه قوله: أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [٢٥/ ٤٣] فصار الحقّ عند ذلك الفاعل و الغاية له في كل فعل و سعي و حركة، و انعزل مبادي حركاته من القوى المدركة- كالسمع و البصر- و المحرّكة كاليد و الرجل، سواء كانت داعية أو فاعلة.
فله حينئذ أن يقول: إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [٦/ ١٦٢] و له أن
يقول [١]: «من رآني فقد رأى الحقّ»
حيث صار الحقّ سمعه و بصره و يده و رجله- كما في الحديث المشهور- لظهور الحق في مرآة قلبه.
و إليه الاشارة في قوله تعالى: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا [٦٦/ ٨] و قوله تعالى نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ [٦٦/ ٨] و
في الأدعية النبوية [٢] «اللّهم
[١] مضى في ص ٤٢١.
[٢] جاء ما يقرب منه في البخاري: كتاب الدعوات باب ٩: ٨/ ٨٦: راجع ايضا المعجم (نور) ٧/ ٢٠.