تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٣
الرياح- و كان على كل شيء مقتدرا- و هذه صفة أرباب الملك و أصحاب الدنيا. و من ركن إلى العقبى و مال إليها أحرقه اللّه بناره، فصار ذهبا خالصا ينتفع به، و هذه صفة أهل الآخرة و أرباب الملكوت و أصحاب الجنّة و من ركن إلى اللّه و مال إليه أحرقه اللّه بنوره فصار جوهرا فريدا لا قيمة له، و درّة يتيمة لا مثل لها في الدنيا و الآخرة، و هذه صفة أهل اللّه و أحبّائه و أوليائه.
و قد أشرنا لك أن العوالم و النشآت ثلاثة: عالم الحسّ و الدنيا، و عالم الغيب و العقبي، و عالم القدس و المأوى، و المسافرين ثلاثة أصناف: صنف يسافر في الدنيا و رأس ماله المتاع و الثروة و ربحه المعصية و الندامة، و صنف يسافر في الآخرة و رأس ماله العبادة، و ربحه الجنّة، و صنف يسافر إلى اللّه تعالى و رأس ماله المعرفة، و ربحه لقاء اللّه.
و اعلم أن المعرفة أصل كلّ سعادة، و الجهل أسّ كل شقاوة، فإن سعادة كل نشأة و عالم، هو الشعور بما فيه، حتى أن الدنيا و ما فيها- مع حقارتها و قلّتها و بطلانها- أنما ينال اللذّة فيها من كان أبلغ في الحواسّ، و أقوى في المشاعر الحيوانية، فإن كل لذّة هو نيل ما يلائم بشيء من حيث هو ملائم له، و الألم فقده أو نيل ما يضادّه.
فإذا كانت البهجة و اللذة في هذه الدنيا الدنيّة، منوطة بالمعرفة و الشعور، فما ظنّك بعالم الآخرة التي قوامها بالنيّات و المعارف، ثمّ ما ظنّك بعالم القدس الذي هو معدن العقول و منبع المعارف، فعليك بالحكمة و المعرفة.
و أما الزهد و التقوى و سائر العبادات و الرياضات فإنما هي كلها لإعداد الحكمة و مقدمة المعرفة و تصفية الباطن و تهذيب السرّ و تصقيل مرآة القلب عن الغشاوة و الرين- حتى تصير مجلوّة يحاذى بها شطر الحق و يتراءى فيها