تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٦ - إشراقات و إشارات
بمنزلة عالم سماواته، ثمّ الحالة في محالّ جرميّاته و مادياته التي هي بمنزلة عالم أرضه و كائناته: لرأيت بعين هذا الإشراق أن هويّته الروحيّة هي مظهر الهوية الغيبيّة اللاهوتية، و أن هويّته النفسية هي مظهر اسم اللّه و مثال نوره النافذ في سمائه و أرضه، فتحقّقت بمعنى آية النور على أحكم طريق و أتقنه، و علمت علما شهوديا نوريّا و إشراقا كشفيّا حضوريا أن اللّه نور السموات و الأرض.
فإن جميع ما يوجد في مملكة الآدمي و عالمه إنّما وجودها و ظهورها بنور هويّته المستورة عن الخلق، لغاية ظهور آثارها و كثرة أفاعيلها و أنوارها فصارت أفعالها و آثارها حجبا للخلق عن رؤية ذاتها و مشاهدة جمالها و جلالها كما أن ظهور العالم الكبير و مظاهر أسمائه تعالى، حجب للخلق عن مشاهدة الرب تعالى و جماله و جلاله، و به أشرقت الأرض و السماء، و هو النور الذي ظهرت به مظاهر الأسماء.
و كما أن بذاتك النيّرة العقليّة، حصلت و انكشفت و تنوّرت الصور الإدراكيّة العقليّة و النفسيّة و الخياليّة و الحسيّة في مراتب مدارك القضائيّة و القدريّة و اللوحيّة و القلميّة، فبذات القيّوم الإلهي تقوّمت و تنوّرت كل ما في العوالم و النشآت، و الألواح و الأقدار و الأراضى و السموات تقوّما ظهوريا شهوديا، و تنوّرا تحصليّا وجوديا.
فاشكر ربك سبحانه في إعطائه لك مفتاحا لخزائن الرحمة و الجود وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ- الآية- [٦/ ٥٩] بل كنزا مخفيا يحصل منه كل بغية و مقصود وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [٥١/ ٢١] و درّا ثمينا يسهل به الوصول إلى كل موجود، و مرقاة للصعود إلى معارج الحق المعبود وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ [٤١/ ٥٣].