تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤١ - خاتمة
استقام الأمر».
و قيل: لكلّ سلف سبق حقّ، و لكل خلف قدم صدق، فالمتقدّمون اجتهدوا في التأسيس، و المتأخّرون بذلوا وسعهم في التّلخيص و التجريد، و كما أن العلوم العقلية كملت شيئا فشيئا إلى أن بلغ تمامها في عهد أرسطو، فكذلك علم التوحيد و علم طريق الآخرة اللّذين يدور عليهما علوم جميع الأنبياء و الأولياء سلام اللّه عليهم أجمعين ممّا أخذ في الاستكمال شيئا فشيئا من لدن آدم عليه السّلام حتى تمّ و كمل بنائه ببعثة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و بنزول القرآن على قلبه ليثبّت به فؤاده.
فعلم ممّا ذكر أن علم التّوحيد و النبوة و علم المبدإ و المعاد مما قد بلغ غايته و تمامه بوجود الخاتم صلّى اللّه عليه و آله و بإنزال القرآن الذي كان خلقه صلّى اللّه عليه و آله لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [٥/ ٣] و إليه الإشارة فيما
روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [١]: «كان بنيان النبوة قديما و بقي موضع لبنة فانطبقت موضعها» و في رواية: «فكنت أنا تلك اللبنة».
و بالجملة لم يزل بناء أمر الأنبياء و الأولياء و الحكماء على تصفية الباطن و تهذيب السرّ بالمكاشفات الحقّة الإلهية و المشاهدات الباطنية، و إنما انتشرت صنعة الجدل بعد أرسطو في عهد أتباعه المتّسمين بالمشّائين و استمّرت إلى الآن، حتى أن أكثر المتأخّرين المشهورين بالعلم و الحكمة و الحال زعموا أن مناط الوصول إلى الحقّ المتعال هو الاطلاع على صنعة الكلام و المباحثة و الغلبة في البحوث على الخصام و الأفحام، أو علم الفتاوى و الحكومات التي يستعين بها القضاة و الحكّام في الأحكام. و أمّا علم طريق الآخرة و ما سمّاه
[١] جاء الحديث بألفاظ مختلفة راجع البخاري: ٤/ ٢٢٦. و المسند: ٢/ ٢٤٤- ٢٥٦- ٣١٢- ٤١٢.