تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٤ - المنظر الخامس في ذكر جملة من خواص أولياء الله و علاماتهم و خواص أولياء الطاغوت و علاماتهم ليعرف الإنسان أحوال المؤمن الحقيقي من أحوال المنافق، لينكشف لمية كون أحدهما من أهل الله و أهل النور، و كون الثاني من أهل الطاغوت و أهل النار ص
و قد ذمّ اللّه تعالى الناقصين الذين ليس لهم درجة المكالمة الباطنية مع الحقّ لكونهم في مرتبة الحيوان الأعجمى بقوله: لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [٣/ ٧٧] و مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خواصّ امّته و أوليائهم و حكمائهم بأنّهم محدّثون مكلّمون.
و ليس المراد من هذا التكلّم و التحدّث ما يكون بالحديث الظاهري و الكلام الحسّي- الذي آلته جرم أحمر لحميّ مركّب من الأخلاط، فإنه من الدّنيا و لا يكون شيء من الدنيا ممدوحا و لا محبوبا إلا بقدر ما يعبر به و يجعل الزاد للآخرة فإنها طريق الآخرة، بل الدنيا و ما فيها مبغوضة ممقوتة ملعونة عند اللّه و عند أوليائه كما
قال صلّى اللّه عليه و آله [١]: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها»
و قوله صلّى اللّه عليه و آله [٢]: «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة»
-.
إنما المراد من المكالمة في قول اللّه لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ و في
قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «انّهم محدّثون مكلّمون»
المكالمة الحقيقية بين اللّه و بين خواصّ عباده، و هي الإفاضات العلميّة المتواردة من الحقّ في المقاصد الربوبيّة عقيب التأمّلات القدسيّة الاستعدادية من العبد في المطالب الحكميّة الايمانيّة بتوسّط بعض ملائكة اللّه العقليّة، إمّا صريحا مشاهدا في عالم المشاهدة البصرية و السمعية كما للأنبياء، أولا- كما لغيرهم.
أو لا ترى أن معنى «التكلّم» في حقّه تعالى- عند أصحابنا الإماميين رضوان اللّه عليهم- هو إيجاد القرآن أوّلا في قلب جبرئيل عند نزوله في السماء الدنيا ثمّ منه على قلب رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله، و منه إلى قلوب حكماء امّته، فالإشارة في هذه الآية أن مثل الذين كفروا الآن كان في الحقيقة و في عالم الأرواح عند عهد
[١] الجامع الصغير: ٢/ ١٧.
[٢] الجامع الصغير: ١/ ١٤٦.