تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٣ - المنظر الخامس في ذكر جملة من خواص أولياء الله و علاماتهم و خواص أولياء الطاغوت و علاماتهم ليعرف الإنسان أحوال المؤمن الحقيقي من أحوال المنافق، لينكشف لمية كون أحدهما من أهل الله و أهل النور، و كون الثاني من أهل الطاغوت و أهل النار ص
يَهْتَدُونَ [٥/ ١٠٤] و قال سبحانه: وَ كَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ* قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ* فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [٤٣/ ٢٣- ٢٥].
فما أسخف عقلهم حيث تركوا ذكر اللّه و معارف الحقائق خوفا من اتّضاع قدرهم عند الجهلة، فرجح عندهم ارتفاع الشأن عند الناقصين من العباد على علوّ المنزلة عند اللّه و مجاورة الملائكة المقربين، فتّبا لجاههم الحقير و سحقا لحظهم اليسير، أما تلوا قوله سبحانه: وَ إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ* وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [٤٣/ ٣٥- ٣٧].
و منها ما ضرب اللّه لهم مثلا بقوله: وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [٢/ ١٧١] هذه الحالة لهم أيضا قريبة المأخذ من الحالة السابقة، و الغرض أنهم لا يزالون يتّبعون و يحدّثون ظواهر الألفاظ و لا يرون بواطن المعاني و الحقائق، و لم يعلموا بعد- مع أنهم سمعوا مرارا- أن امتياز الإنسان عن سائر الحيوانات باستنباط الحقائق و المعارف، لا تتّبع الألفاظ و تصحيح العبارات من غير ارتقاء عن مضيق المحسوسات و محبس الحيوانات و إصطبل الدّوابّ إلى فسحة الأنوار الإلهيّة و عالم المعارف العقلية الإلهامية و مستوكر الطيور السماوية.
فهم أبدا واقفون في عالم الألفاظ و الصور و لن يقصدوا إلى معرفة النفس و ما فوقها، و لا إلى إصلاح القلب الذي هو محل النطق الباطني الذي يخصّ به الإنسان من سائر الحيوانات، و هو منبع المكاشفات و المكالمات مع الحق