تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٨ - المنظر الثاني في بيان أن منشأ الخلود في النار هو الكفر لا غير خلافا للمعتزلة القائلين بأن صاحب الكبيرة يخلد في النار
الشر بكفره و غلطه و تغليطه و وسوسته، فإن «الوهم» ما لم يتروّج الباطل في صورة الحق لم ينبض عرق الجاهليّة و القباحة في شيء من القوى، فهو أول من قرع باب الكفر و الإنكار و الجحود و العناد و الاستكبار، ثم عمل بوفقه القوى العمّالة التي هي من توابعها، كما قال اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ [١٤/ ٢٩].
و إنما عظّم اللّه تعالى أمر الأفعال القبيحة المنسوبة إلى المبدإ الإدراكي الوهمي ما لم يعظّم في قبائح أفاعيل القوى الغضبيّة كالقتل، و الشهويّة كالزنا و أمثالهما، أو لا ترى أنه قد عظّم أمر الإفك في الوعيد ما لم يغلظ في غيره، حيث قال: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ الآية [٢٤/ ١١] فبالغ عليه بما لم يبالغ في باب الزنا (الريا- ن) و قتل النفس المحرّمة، لأن عظم الرذيلة و كره المعصية إنّما يكون على حسب القوّة التي هي مصدرها فيتفاوت حال الرذائل في حجب صاحبها عن الحضرة الإلهيّة و الأنوار القدسية و توريطه في المهالك الهيولانيّة و المهاوي الظلمانيّة على حسب تفاوت مباديها، فكلّما كانت القوّة التي هي مصدرها و مبدئها أشرف، كانت الرذيلة الصادرة منها أردا أو بالعكس، لأن الرذيلة مما يقابل الفضيلة، فكلّما كانت الفضيلة أشرف كان ما يقابلها من الرذيلة أخسّ، و الإفك رذيلة القوّة الناطقة الوهمانيّة، و الزنا رذيلة القوة الشهويّة، و القتل رذيلة القوة الغضبيّة فبحسب فضل الاولى على الباقين تزداد ردائة رذيلتها و دوام عقابها.
و ذلك أن الإنسان إنما يكون إنسانا بالأولى و بها يكون ترقّيه إلى العالم العلوي و توجهه إلى الجناب الإلهي، و تحصيله للمعارف و الكمالات، و اكتسابه