تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٣ - توضيح و تأكيد
تفويتهم معرفة النفس فاتت عنهم معرفة الربّ، لأن
«من عرف نفسه عرف ربّه»
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ [٢٣/ ٧٤].
توضيح و تأكيد
قد ظهر أن كل صفة و ملكة يغلب على باطن الإنسان لأجل تكرار الأفاعيل الموجبة لحدوث الأخلاق و الملكات يتصوّر في الآخرة بصورة تناسبها، و لا شك أن أفاعيل الأشقياء المردودين إنّما هي بحسب هممهم القاصرة عن الارتقاء إلى عالم الملكوت، و محبّتهم المتعلّقة بمراتب البرازخ الحيوانيّة المقتضية للأعمال الشهويّة و الغضبيّة البهيميّة و السبعيّة، فلا جرم هممهم و تصوّراتهم أغراض حيوانيّة تغلب على نفوسهم، فيحشر على صورة تلك الحيوانات، كما يدلّ عليه قوله تعالى: وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [٨١/ ٥] و ربّما يحشر بعض النفوس (الناس- ن) على صورة جامعة لفنون الرذائل الحيوانيّة، كما
ورد أنه: «يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة و الخنازير».
و ممّا يؤكد هذا الحكم أن أصحاب الكشف و الشهود للطافة قلوبهم و ذكاء باطنهم و صفاء ذهنهم يتصوّر عندهم الأشقياء بصورهم الحقيقيّة الاخرويّة و يعاينون لهم في صقع باطنهم على أشكال و هيئات تقتضيها صفات النفوس و هيئات الأرواح، و ذلك لغلبة سلطان الآخرة و ظهورها على قلوب أهل الحق إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [١٦/ ١٢].
حتى قال بعض المكاشفين إني أرى فلانا إذا تكلّم ما زالت تفور من فيه فوّارة من النار إلى أن يسكت، و ذلك عند من كان مغتاظا يكون أكثر و أوفر.