تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٨ - و أما المنهج الحكمي البرهاني الكاشف عن الرموز النبوية و الحقائق القرآنية و مسلك العقل الفرقاني الشارح لأسرار العقل القراني
أما ترى الحديد الحامية كيف تحصل له من تكرر التسخّنات بالنفاخات صورة ناريّة و قوة مسخّنة تفعل التسخين لذاتها و تشابه فعلها فعل الصورة النارية، فلا تتعجب من نفس حصل فيها لكثرة التشبّهات بالمبادي الإلهية و تكرّر صدور الأفاعيل الروحانية منها نور قدسىّ و صورة عقليّة تعقل المعقولات، كما يحصل في الحديد المذاب قوة ناريّة تفعل فعل النّار، لكثرة مجاورته و عكوفه على باب النار.
و هكذا حال النفوس المتألّهة في عكوفهم على باب اللّه و مواظبتهم على أفعال يشبه أفعال اللّه من الشفقة و العطوفة و الرحمة على خلق اللّه، و دعاء الخير على كل ذي روح، و الترفّع عن (على- ن) الجسمانيات، و الطاعة للّه و لرسوله و لاولى الأمر من الأئمّة المعصومين عليهم السّلام، كل ذلك تشبّها به و تخلّقا بأخلاقه، كما
ورد في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «تخلّقوا بأخلاق اللّه»
حتى يحصل لهم بكثرة التعلقات (التعقلات- ن) و تكرّر المشاهدات مبدأ صوري في نفوسهم، و قوة عقليّة مشرقة بنور اللّه هي مبدأ أنوار المعقولات، و فعّال صور المعلومات.
و بالجملة كلّ جوهر له قوّة و استعداد لحصول أشياء مختلفة، فبحسب كثرة الانفعالات حصلت له من نوع صفة يحصل فيه صورة جوهرية هي مبدأ تلك الصفة، أو لا ترى أن كثرة مجاورة النار و تكرّر التسخينات توجب للحطب و غيره صورة نارية تفعل فعلها، و كذا كثرة مجاورة الأرض يجعل الشيء ترابا صرفا يفعل فعل التراب، و هذا مما لا شبهة فيه و خصوصا إذا كان الأمر المجاور «المشبه» ذا قوة استعدادية سهل القبول و الأمر المجاور له «المشبّه به» ذا صورة قويّة التأثير كالحطب اليابس في مجاورة النار.
فإذا كان كذلك فلا شبهة في أن النفس الإنسانية في أول الفطرة قوّة قابلة