تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٦ - و أما المنهج الحكمي البرهاني الكاشف عن الرموز النبوية و الحقائق القرآنية و مسلك العقل الفرقاني الشارح لأسرار العقل القراني
و إذا نظرت إليها بحسب نسبتها إلى الوجود الروحاني فوجدتها قوة محضة و فاقة صرفة لا رتبة لها عند سكّان عالم الغيب و عالم الآخرة، نسبتها إلى الصورة الاخروية نسبة البذر إلى الثمار، و النطفة إلى الحيوان، فإن البذر بذر بالفعل ثمرة بالقوّة، و النطفة نطفة بالفعل، حيوان بالقوّة، و البذر ليس ثمرة، و النطفة ليست حيوانا إلا بضرب من المجاز، فالعقل الهيولاني لا وجود له في عالم الآخرة ما لم يحصل له جهة فعلية روحانيّة، و لهذا ذهب بعض الحكماء إلى بطلان النفوس الخالية عن العلوم بعد بوار البدن و خراب الدنيا.
فحال البصيرة الإنسانية كحال البصر، و منزلتها بالقياس إلى ما يفيد وجودها بالفعل و إلى ما به يحصل (يحصل العالم- ن) بالفعل- بعد أن كانت بالقوّة- منزلة الباصرة بالقياس إلى جوهر الشمس و النّور الذي يفيده و يصير مبصرة بالفعل، و مدركاتها من الألوان مرئيّة بالفعل بعد أن كانت هي رائية بالقوّة.
إذ كما أن البصر ليست في ذاتها كفاية في أن تصير مبصرة بالفعل، و لا في ذوات الألوان (الأنوار- ن) كفاية في أن تصير مرئيّة بالفعل، بل الشمس تعطي البصر ضوءا و تعطي الألوان ضوءا بذلك الضوء صارت هي مبصرة بالفعل و الألوان مبصرة بالفعل، فكذلك إشراق الروح القدسي المسمى عند الحكماء ب- «العقل الفعال» و عند أئمة الفرس ب «روان بخش» تفيد العقل الهيولاني و الصورة الهيولانيّة المخزونة في الخيال نورا روحانيّا، منزلته من العقل الهيولاني منزلة الضوء من البصر، و به يعقل الأشياء التي كانت معقولة بالقوة.
و اعلم أن القوّة في باب العاقلية و المعقولية- كسائر الأشياء التي تكون بالقوّة- قد تكون بعيدة و قد تكون قريبة، فالبعيدة في العاقليّة كما في العقل الهيولاني الذي هو جوهر متعلق بالمادة المحسوسة، و في المعقولية كما في الصور النوعية المادية التي من شأنها أن تصير معقولة للإنسان، و أمّا القريبة