تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٩ - البصيرة الثامنة في الكشف عن صيرورة الروح الإنساني من أصحاب النار بعد أن لم يكن منها، بمزاولة أفعال الأشرار و اكتساب ملكات الكفار و الفجار، من الأعمال الشهوية و الغضبية و الشيطانية، التي هي من صفات البهائم و السباع و الشياطين
و تحقيق كون معرفة الأئمة و القرآن داخلة في قوام الايمان مقوّمة لحقيقة الإنسان مما حقّقناه في مقامه بوجه لا مرية فيه و لا ريب يعتريه.
فالروح الإنساني متى كانت قواه الثلاث التي هي رؤساء جنوده الباطنية و خدمه و حشمه مسخّرة له منقادة مقهورة مطيعة لأوامره و نواهيه، يكون حالته مستقيمة و بصيرته سليمة من العمى و سبيله مأمونة عن الغيّ و الضلال، و عاقبته محفوظة عن الشرّ و الوبال.
و متى كانت هي مستولية عليه، و الشهوات غالبة فيه، و الوسواس مضلّة إياه، و الدنيا بزخارفها مزيّنة في نظره مرغوبة لديه مؤثّرة فيه مسترقية لرقبته، و الأغلال في عنقه، و الأوزار مثقلة بظهره، و السلاسل و التعلّقات في أيديه و أرجله: كان أسيرا بيدها محكوما بحكمها، كلّ منها يجرّه في تيسير أسباب ما يستدعيه، و التدبير فيما يشتاقه و يشتهيه.
فالشهوة تجرّه في تحصيل الشهويات المستلذات، و الغضب يستعمله في أفعال الانتقامات و دفع الخصومات؛ فصار الروح شيطانا مريدا بالفعل، بعد ما كان ملكا كريما بالقوّة، يستعمل فكره و تمييزه الذين أعطاهما اللّه لتدبير الآخرة و السعي لمرضاته في استنباط وجوه الشرّ، و يتوصّل بها إلى الأغراض بالمكر و الحيلة و الخداع، و إظهار الحقيقة في معرض البطلان، و ترويج الشرّ في موضع الخير.
و كلّ إنسان ففيه شوب من هذه الأصول الأربعة- أي: الملكيّة و الشّيطنة و السبعيّة و البهيمة- من جهة روحه و نفسه و شهوته و غضبه- و كان المجموع في عالم الإنسان خنزير، و كلب، و شيطان، و حكيم، فالخنزير هو صورة الشهوة في أيّ مادة و مقدار وضع و شكل كانت، و الكلب هو صورة الغضب في أيّ مادة كانت. [١]
[١] راجع شرح المصنف للأصول الكافي: كتاب الحجة.