تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٥ - البصيرة السابعة في توضيح القول بأن المنافقين أسوء حالا و أشد عذابا من الكافرين، و أن كان هؤلاء أخس رتبة و أدون منزلة منهم
البصيرة السابعة في توضيح القول بأن المنافقين أسوء حالا و أشدّ عذابا من الكافرين، و أن كان هؤلاء أخسّ رتبة و أدون منزلة منهم
اعلم أن الجهل المركب لكونه صفة وجوديه يصحبها العدم له نوع رتبة، و أما الجهل البسيط لكونه صفة عدميّة منزلته منزلة الأعدام، و العدم شرّ محض بالذات و الوجود الذي يصحب العدم شرّ بالعرض مشوب بالخير، فبالنظر إلى الواقع لا شرّ و لا خسّة أبلغ مما يكون الشيء عدما أو معدوما، و أما بالنسبة إلى من يتعذّب و يتألّم بالأمر المؤلم الوجودي ففقده عنه أولى من ثبوته له.
فشرارة المطرودين في الأزل و إن كان أعظم- لكونهم أبعد من منبع الخير و الجود، و أوغل في الشرّ و المصيبة، و أدخل في العدم و الخسّة و الجهالة- إلا أنهم لا يحسّون بما يؤلمهم و لا يجدون شرّية ما يوبقهم و يعذبهم، لعدم صفاء نفوسهم و فعليّة عقولهم كالعضو الميّت أو المفلوج و الخدر بالنسبة إلى ما يجرى إليه من القطع و الجرح و الكيّ و غيرها من الآلام.
و أما المنافقون فلثبوت استعدادهم في الأصل و بقاء إدراكهم و استدعائهم للكمال في هذه الدار و تشوّقهم إلى العلوّ و الاستكبار، يجدون شدّة الألم باكتساب الأمر الموذي المؤلم، فلا جرم كان عذابهم مؤلما سببا عما اكتسب قلوبهم من المرض العارض المزمن المؤلم الذي هو الكذب بآيات اللّه و الجهل بالمعارف الربوبية و لوازم الايمان، و الكفر بحقائق القرآن مع دعوى الكمال بادعاء المعرفة بأسرار المبدإ المتعال و تهييج الفتن و العداوة و البغضاء بين الناس، و تنظيم امور الدنيا لأنفسهم خاصّة و انهماكهم في اللذات، و ملازمة أبواب السلاطين و الحكّام لطلب الحطام و الشهوات، و احتجابهم بالمنافع الجزئية و المصالح