تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٢ - البصيرة السادسة في كيفية توزع الأرواح الإنسية إلى أصحاب الجحيم و الدركات و أصحاب النعيم و الدرجات بقول إجمالي
فالمعقول ما يحكمه العقل ببرهان عقلي، و هذا ميسّر لكل عاقل بالدراية و بالقرائة و الرواية، فمن صفى عقله عن شوب الوهم و الخيال فيدرك المعقولات بالبرهان دراية، و من لم يصف عقله عن هذه الآفات فهو يدرك المعقول قرائة بتفهّم أستاذ مرشد.
فأما الحكمة الإلهية فليست من هذا القبيل، فإن العقول عن دركها بذواتها محتجبة، و البراهين العقلية و النقلية عنها محتسبة، فإنها مواهب الحقّ ترد على قلوب الأنبياء و الأولياء عند تجلّى صفات الأحديّة و فناء أوصاف الخلقيّة، فيكاشف الأسرار بحقائق معاني أورثتها تلك الأنوار، كما
قال صلّى اللّه عليه و آله [١] «أوتيت جوامع الكلم»
أي: الحكم، فأمارة صحّتها معادلتها بحقائق القرآن، بل هي عينها كما
قال صلّى اللّه عليه و آله [٢]: «أوتيت القرآن و ما يعدله»
أشار بهذا إلى الحكمة.
و قد فسّر سهل بن عبد اللّه التّستري [٣] «الحكمة» و قال في تأويلها: «هي السنّة» فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات يؤيّد اللّه به عقل من يشاء من عباده فيكون له كما قال تعالى: نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [٢٤/ ٣٥] فمن أكرم بهذا النور فقد اعطي كلّ حبور و سرور، و أوتي جوامع الحكمة خيرا كثيرا، كما قال تعالى: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٢/ ٢٦٩].
فافهم و اغتنم و اجتهد أن تتيقظ به، لتكون من ذوي الألباب، لأنه قال:
[١] كنز العمال: كتاب الفضائل، الفصل الثالث: ١١/ ٤٤٠.
[٢] في المسند: (٤/ ١٣١) (ألا انى أوتيت القرآن و مثله معه).
[٣] سهل بن عبد اللّه التستري كنيته: أبو محمد، أحد أئمة الصوفية و علمائهم في القرن الرابع راجع: طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمى: ٢٠٦ و حلية الأولياء ١٠/ ١٨٩.